نبأ هام .. سالمين: أسرار وشهادات من سجون الأسْر لتوثيق ذاكرة الغزو - بوابة مصر الجديدة

الجريدة الكويتية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في جلسة حوارية بعنوان: «أسرار وشهادات من سجون الأسر»، استعاد العقيد الركن المتقاعد ناصر سلطان سالمين واحدة من أكثر مراحل تاريخ الكويت ألماً، مستعرضاً شهادته الشخصية عن الغزو العراقي الغاشم، وأيام المقاومة والأسر، ورحلة المعتقلات التي بدأت في الثاني من أغسطس 1990، وانتهت بالعودة إلى الكويت بعد التحرير.

جاء ذلك في ختام فعاليات معرض الكتاب الصيفي في دورته التاسعة بجمعية الخريجين، حيث لم يكتفِ سالمين برواية تجربته، بل حوَّل ذاكرة الأسر إلى مشروعٍ توثيقي امتد إلى 3 كُتب، تُرجمت إلى الإنكليزية والفرنسية، لتبقى تفاصيل تلك المرحلة حاضرة أمام الأجيال، وهي: «يوميات أسير كويتي في السجون والمعتقلات العراقية»، و«عندما كُنت أسيراً»، و«رحلة الأمل والألم». 

واستعاد سالمين بدايات الأزمة التي سبقت الغزو، مشيراً إلى تصاعد التوتر السياسي، وصولاً إلى اجتماع جدة في 31 يوليو 1990، الذي شارك فيه الجانب الكويتي ممثلاً بسمو ولي العهد، والجانب العراقي ممثلاً بعزت الدوري، قبل أن تفشل المحادثات في احتواء الأزمة. وفي الثاني من أغسطس اجتاحت القوات العراقية دولة الكويت، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ البلاد.

وقال سالمين إن القوات المسلحة الكويتية، بمختلف وحداتها، شاركت في الدفاع عن الوطن، من القوات البرية والجوية والبحرية إلى الحرس الوطني والدفاع الجوي، مستذكراً بطولات عددٍ من العسكريين، ومن بينهم الملازم محمد الهباد، الذي- وفق شهادته- تمكَّن من إسقاط 3 طائرات في بداية الغزو.

لكن الثاني من أغسطس، بالنسبة إلى سالمين، لم يكن مجرَّد تاريخ عسكري، لكنه يوم غيَّر حياة الكويتيين جميعاً، وكشف عن مواقف الناس، ووحَّد الشعب حول قيادته الشرعية. ويقول إن ذلك اليوم «لم يُكتب في الكُتب أو اليوميات، وإنما كُتب في دماء الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الكويت».

وكان سالمين واحداً من الذين وقعوا في الأسر. ويستعيد لحظة اقتياده بعد أن عُصبت عيناه، ثم نقله إلى العراق عبر الزبير والبصرة، حيث بدأت التحقيقات ومحاولات إجبار الأسرى على التعاون مع النظام العراقي. ويشير إلى تعرُّض الأسرى للتهديد، ومن بينها واقعة دخول حسين كامل عليهم وهو يحمل مسدساً، مطالباً إياهم بالتعاون، إلا أن الجميع رفضوا الخضوع أو التعاون.

ومن الزبير إلى البصرة ثم إلى المعتقلات، بدأت رحلة طويلة من الاحتجاز والتنقل. وكانت من أقسى محطاتها معتقل الرشيد، حيث عاش سالمين ورفاقه ظروفاً شديدة القسوة، من نقص المياه والطعام والاحتياجات الأساسية، فضلاً عن التحقيق والتعذيب، ثم انتقل الأسرى إلى معتقل الموصل، حيث وجدوا أنفسهم أمام واقعٍ جديد، وحاولوا تنظيم حياتهم داخل المعتقل، من خلال تشكيل لجان داخلية تساعد على إدارة شؤون الأسرى والتكيف مع الظروف المفروضة عليهم.

ويرى سالمين أن تفاصيل الأسر لا يمكن اختزالها في الحديث عن المعاناة وحدها، فداخل تلك المعتقلات ظهرت أيضاً صور التضامن والصمود، وحرص الأسرى على مساعدة بعضهم بعضاً والحفاظ على هويتهم وولائهم لوطنهم. ومع بدء الضربة الجوية لقوات التحالف ومن داخل معتقل بعقوبة، بدأت بارقة أمل جديدة. 

ويقول سالمين إن الأسرى شعروا بأن التحرير أصبح قريباً، حتى بدأ الدخول البري في 24 فبراير 1991، ثم إعلان الانسحاب العراقي في 25 فبراير، وصولاً إلى تحرير الكويت في 26 فبراير.

وبعد التحرير، جاءت مرحلة جديدة من الانتظار. وفي خيمة سفوان، جرت مباحثات بين ممثلي التحالف والجانب العراقي، وتم التوصل إلى قرارات عدة، كان أهمها بالنسبة للأسرى الاتفاق على إطلاق سراحهم. وبدأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة المعتقلات، وكان السؤال الذي ينتظره الأسرى: هل يريدون العودة إلى الكويت؟

يقول سالمين إن الإجابة بين الكويتيين كانت واحدة: نعم.

ثم بدأت دفعات الأسرى بالعودة، إلى أن جاءت الدفعة الخامسة التي كان سالمين ضمنها. ومع ذلك، لم يصدق أنه أصبح حُراً إلا عندما فتحت بوابة مركز جديدة بمنطقة عرعر في السعودية، ورأى رجال الأمن السعوديين، فعندها فقط أدرك أن رحلة الأسر انتهت بالفعل. وعاد إلى الكويت في 28 مارس 1991، بعد أشهر من الخوف والانتظار.

غير أن انتهاء الأسر لم يكن نهاية الحكاية بالنسبة إليه، بل بداية مهمة أخرى هي التوثيق. فعمل سالمين على تحويل تجربته وذاكرته وذاكرة رفاقه إلى كتب توثق يوميات الأسر بالتفصيل، ومن بينها كتاب «يوميات أسير كويتي»، الذي يتضمن وقائع الحياة داخل المعتقلات يوماً بيوم، مدعوماً بصور حقيقية التُقطت من داخل السجون ورسومات توثق تفاصيل الحياة اليومية.

كما يضم مشروعه التوثيقي قصص الأسرى والمفقودين والشهداء، ومن بينها قِصة أبطال بيت النزهة، الذين أفرد لهم مساحة لتوثيق ما تعرضوا له، ومَنْ لا يزالون في عداد المفقودين.

ولم يكتفِ سالمين بالكُتب، بل حرص خلال الجلسة على أن يجعل الجمهور قريباً من تفاصيل الحياة داخل المعتقلات من خلال عرض مقتنيات احتفظ بها الأسرى طوال تلك السنوات. وكانت بين المعروضات صابونة، وقطعة خبز مصنوعة من الشعير اليابس من دون خميرة، لذلك ظل باقياً من دون أن يتعفن لعقود، إلى جانب مسابيح صنعها الأسرى من بذور النباتات، ومنها بذور التمر والزيتون، وإناء واسع كانوا يستخدمونه لحمل الطعام، إلى جانب عملات كانت متداولة في الكويت خلال فترة الغزو.

بدت تلك الأشياء البسيطة، التي احتفظ بها سالمين ورفاقه لنحو 36 عاماً، أكثر من مجرَّد مقتنيات قديمة، فقد تحوَّلت إلى شواهد مادية على حياة عاشها الأسرى خلف القضبان. فالصابونة تروي جانباً من تفاصيل الحياة اليومية، ورغيف الخبز يختزل معاناة الحصول على أبسط الاحتياجات، والمسبحة المصنوعة من بذور النباتات تكشف عن كيف حاول الأسرى صناعة أدواتهم الخاصة والاستمرار في ممارسة تفاصيل حياتهم رغم قسوة الظروف.

وبهذه المقتنيات، إلى جانب الكُتب والشهادات، يقدِّم سالمين نموذجاً للتوثيق يتجاوز سرد الأحداث إلى حفظ تفاصيلها الإنسانية. فقد ترجمت أعماله إلى الإنكليزية والفرنسية، لتتجاوز شهادته حدود الذاكرة الشخصية، وتصل إلى قرَّاء من خارج الكويت.

وفي ختام شهادته، بدا واضحاً أن سالمين لا ينظر إلى التوثيق باعتباره استعادة للماضي فحسب، بل مسؤولية تجاه المستقبل، فالأسرى الذين عادوا يحملون ذاكرة ينبغي ألا تضيع، والذين لم يعودوا بعد تركوا خلفهم أسماء وقصصاً تنتظر أن تبقى حاضرة في الذاكرة الكويتية. ومن هنا تحوَّلت تجربة أسير عاش الغزو والمعتقلات إلى شهادة مكتوبة ومرئية ومادية تحفظ للأجيال تفاصيل مرحلة لا يُريد سالمين أن تُنسى.

أخبار ذات صلة

0 تعليق