حين كان الإغريق والرومان ينحتون تماثيلهم العظيمة لعظماء أممهم، كانوا لا يستخدمون سوى الرخام، فهو الحجر الأكثر روحانية ورقياً، هو الحجر الذي يليق بالموضوع الإنساني للعمل الفني. تبعهم بعد ذلك عظماء النحاتين، لربما وصولاً إلى القرن التاسع عشر، في اعتماد الرخام كالحجر الأكثر لياقة لتجسيد الإنسان، فهذا الكائن العظيم لا يليق به سوى حجر عظيم روحاني يرمز، في تشكيله للعمل الفني، للخلود والكمال.
لا أدري لماذا أتذكر الرخام تحديداً وموضوع رمزيته للخلود والجمال والكمال كلما تأملت في جنسنا البشري بتاريخه وأفعاله. البشر الحديثون، الهوموسيبيان، طوروا عقولاً متقدمة صنعت العجائب بلا شك، إلا أنهم قبل أن يتجهوا لتطوير الحياة بشكل خارق ولتطوير الفكر الفلسفي والعلوم الإنسانية مصاحبة للعلوم البحتة، استخدموا أولاً عقولهم الخارقة لقتل كل جنس بشري آخر كان مصاحباً لهم على الأرض منذ ما يقرب من مئة ألف سنة، حيث كان هناك ما يقرب من الستة أنواع بشرية على الأرض في ذلك الزمن، ليستفردوا تماماً بالأرض ومصادرها، وليستعبدوا غيرهم من الكائنات، وليبدأوا، في الوقت ذاته، رحلة عظيمة خارقة من الإنجار العلمي والفكري ومن تطوير القيم والمبادئ الإنسانية، ولكن كذلك من العنف البشع والقتل الممنهج والغباء العاطفي الذي لا تعرفه أي كائنات أخرى على سطح الأرض.
نحن الشيء وعكسه بلا شك، نحن المتناقضات والمتضادات مجتمعة كلها في عقولنا الغريبة الخطرة المُشَكّلة كالقنابل الموقوته، ولكن أخطر ما يحيق بجنسنا الغريب العنيف -مع اعتذاري عن التوصيف- هو غباؤه العاطفي والأخلاقي العميق الأشبه بتركيبة بيولوجية لا فكاك منها. إليكم مثالاً: محمد صلاح، لاعب كرة قدم محترف ومهم، وربما غير مسبوق في العالم العربي، لا أدري حقيقة لو كان مسبوقاً أم غير مسبوق، فأنا لا أفقه الكثير في لعبة كرة القدم، ولكنني أفهم من درجة «العبادة» التي يتعامل بها الناس معه أنه ذو موهبة فذة. أبالغ حين أقول عبادة؟ لا أعتقد، فقبل فترة سافر صلاح إلى تركيا وزار منطقة طبيعية فيها والتقط صورة لنفسه جالساً على صخرة. ماذا حدث بعدها؟ وضع الناس لافتة على الصخرة لتسميتها باسم صلاح، وتجمعوا طوابير طويلة ليلقوا نظرة على هذه الصخرة، وليتصوروا معها، وفي أحايين كثيرة ليقبلوها، إي والله يقبلوها. لو لم تكن تلك عبادة، فما هي العبادة؟ عموماً، إن لم تروها كذلك، فهي غباء، لكم أن تختاروا أهون الشرين.
وحين كتبت على منصة «إكس» أذكر القراء بأن هذا المحمد صلاح هو الداعم الأكبر، من خلال إعلاناته المتتالية، لشركة المشروبات الغازية الصهيونية، أن هذا الصلاح يُدخل أموالاً طائلة في جيوب الصهاينة، غضب من غضب، واستنفر من استنفر، ثم أتى كبيرهم الذي علمهم فن الرد ليذكرني «بأسيادي الإيرانيين» الذين يرمون صواريخهم على دول الخليج. ولندع جانباً -وأنا هنا في موقف الدفاع عن النفس، للأسف- موقفي المناهض تماماً للسياسة الإيرانية الثيوقراطية منذ أن بدأت الكتابة أصلاً، ولنترك جانباً كل المقالات والتغريدات التي تكلمت فيها ليس فقط عن الشر ولكن كذلك عن الغباء السياسي الذي أوكل للجار الإيراني «حكمة» ضرب جيرانه بالقنابل تخريباً لعلاقات دبلوماسية واجتماعية بالكاد بدأت تجد لها متنفساً والتي، بعد فعلته تلك، لن تجد طريقاً سهلاً للعودة والالتئام مطلقاً، هذا إن كان هناك طريق أصلاً، لنترك كل هذا جانباً ونتساءل: ما علاقة الإيرانيين بقنابلهم الملعونة، بمحمد صلاح وصخرته الميمونة؟
كم بذّرنا من الرخام، للأسف. كل هؤلاء الذي وقفوا طوابير طويلة، ربما بأحلام صارخة بنجاح باهر يشبه نجاح صلاح، لربما بحب وإعجاب عميقين به، لربما باستخدامه كمثل وأيقونة تفضي بهم لأمل دونه تقتلهم الحياة بحقيقيتها، لربما بكل هذه الأشياء التي تبرر لهم بعض الشيء وتعطي معنى لتفاهة موقفهم، كل هؤلاء هم فعلاً من هذا الجنس الذي لا يستحق سوى الرخام «المقدس» تشكيلاً وتمثيلاً له؟ هذا المحمد صلاح، هذا الذي انتقل نقلة نوعية في الحياة وحقق نجاحاً باهراً، هذا الورع المعتز بدينه الذي يسجد شكراً لله مع كل هدف يحرزه، والذي هو ذاته القائم على إعلانات واحدة من أكبر الشركات الداعمة للصهيونية، والذي لم يصرح بأي شكل مباشر وحقيقي تأييداً للفلسطينيين واستنكاراً لما يحدث في غزة، والذي حين ثارت عليه الانتقادات قدم تصريحاً مسكيناً يمسك العصا من المنتصف في موضوع لا يحتمل أي انتصاف، حول أكبر إبادة إنسانية لا تحتمل أي حياد، هذا الرجل هو الموضوع الأكثر لياقة بحجر الرخام؟
لست هنا أستثني أحداً، لأكون حقيقية وواقعية، وأولهم نفسي بكل متناقضاتي وزلاتي. فأنا التي تتغنى بالقيم الأخلاقية، وأولها أدب الكلام ولين الحوار وحسن الرد، أنا التي أرى في ممارسة مفهوم حرية الرأي نوعاً من العبادة، قد وجهت لصاحب التعليق رداً مشدداً، بعد قول ما شاء الله، حتى لا يقع عليه حسد يحرمه ذكاء تعليقه، على الأقل قياساً بتعليقاتي. فحين أنفس عن ضيق صدري بكلمة قاسية، وأتخلى ولو للحظة عن برج الأخلاق العاجي الذي أدعي السكن فيه، فهل أنا من ذلك الجنس الذي لا يستحق سوى الرخام تعبيراً عن وجوده «المقدس»؟
من الصهانية إلى الأمريكان إلى الروس، من قوات الدعم السريع إلى طالبان إلى داعش، من نظام الملالي الإيراني إلى النظام الكوري الشمالي إلى الأنظمة العسكرية التي تحكم بشر العالم، من إرهابيين واغتياليين وجواسيس وحرامية ومغتصبين، من الإبستينيين والسيكوباتيين وقتلة الأطفال والمتآمرين من أجل الدولار… هذه أنماط تستحق تماثيل الرخام أم هي أنماط تستحق، في أحسن الأحوال، شواهد رخام تخلصنا منهم ومن جنسنا كله؟
تماثيل الرخام
تماثيل الرخام







0 تعليق