«الدعوة»… فيلم كان وودي ألن سيحب أن يوقّعه

منذ ساعة

في العبارة الافتتاحية للفيلم، نقرأ للشاعر الإيرلندي أوسكار وايلد: «على أحدنا أن يكون عاشقاً دائماً، ولهذا السبب عليه عدم الزواج». تبدو العبارة أقرب إلى دعابة شديدة الجدّية. هو كذلك الفيلم في كوميدياه العالية، ومساحات الإحراج والإرباك الشاسعة المتخللة للحوارات والمواقف. يمر أحدنا في أفلام درامية أو غيرها، أمام مواقف كوميدية، استراحة في سياق الدراما، لكننا هنا، وهذا يندر في سينما جيدة، أمام فيلم كوميدي تام، ولا تكون المواقف المحرجة والمربكة لشخصياته، سوى إضافات واندفاعات في صلب العمل: الكوميديا/الإضحاك.


يبدأ فيلم «الدعوة» (The Invite)، لمخرجته والممثلة فيه أوليفيا وايلد، إلى جانب صف أوّل من الممثلين. بينلوبي كروز وإدوارد نورتن، عشيقان جاران لزوجين هما وايلد وسيث روغين، يبدأ الفيلم بالزوجين، هو مدرس موسيقى فشل في تأسيس فرقته، وهي درست الفن وفشلت في المواصلة. يدعو الزوجان الفاشلان إلى العشاء زوجين عاشقين، هما جيران جدد، لسبب سنعرف لاحقاً أنه متعلق بأصوات النشوة الجنسية العالية التي تصدر عن المرأة (كروز)، في نوع من إيصال احتجاج ما من المتزوجين إلى العاشقين. تتطور اللقاءات وتتوسع الفجوات بين كل من الزوج صاحب الدعوة، وكروز وصديقها (نورتن) بعلاقتهما الحديثة، وحفلات الجنس الجماعي التي قبلا الدعوة أساساً لكونها فرصة للاعتذار عن الصرخات والإزعاجات المتخطية الجدران بين الجيران. ثم يجدانها فرصة لهما لدعوة الزوجين التقليديَين والمحبطَين إلى تلك الحفلات.
هذا النوع من الأفلام، وهو بقصة أولية خفيفة، شائع، كونه مبنياً تماماً على اللقاء، أي أنه محصور في مكان وزمان واقعيين، بين أربعة جدران وبأربع شخصيات. بيت وتجوال بين غرفه، طاولة عشاء والأكل ليس بالضرورة للتناول، كلام وكلام لا ينتهي. هنا تكمن قوة هذا الفيلم تحديداً، بالمقارنة مع نسخ عديدة للسياق ذاته، سآتي عليها. قوته هي في عناصر عديدة ومتكاملة، ليكون فيلماً نموذجياً في كيف تُصنع الكوميديات صغيرة الإنتاج وكبيرة الإبداع. القصة تقليدية، لكن للفيلم سيناريو ممتاز، حوارات لها مكانة المونتاج ووظيفته في التنقل بين المواضيع والمَشاهد، وفي التلاعب بمشاعر المشاهدين، بإعلائها وخفضها، التوتر هو فقط المستقر هنا، لكنه توتر لا يوقف، بطرافة منبعه، عن الإضحاك. وذلك بالإحراج والإرباك في تداول دائم على طول الفيلم. وكله بتصوير «فانتاج»، بألوان باهتة ثمانينية وصورة قاتمة، بعدسة 35 ملم. إلى جانب أداء لأربعة ممثلين يكفي واحدهم لرفع فيلم على كتفيه. الفيلم، بحرفيّة صناعته ككوميديا سينمائية، خلا من أي سقطة ظاهرة، من أي لحظة رتابة، وإن كانت بعض مَشاهده تمهّد لأخرى كانت أوجَ النّكتة، وهذه لحظات يمكن إن طالت لدقائق إن تفسد فيلماً، يزيد عن 100 دقيقة، كلها بالكلام وردود الأفعال، كلها جديرة بالفيلم الممتاز هذا.


هو أفضل من باقي الأفلام التي قاربت مثله، نسخة أولى كانت لفيلم إسباني بعنوان «عاطفي» (Sentimental) أو بعنوانه الدولي «The People Upstairs»، الذي تم نسخ فكرته منذ إنتاجه عام 2020.. هو للإسباني يسيك غاي الذي نقله إلى السينما من نص مسرحي له كذلك، ثم تم نقل الفيلم إلى عدة لغات سينمائياً.
للفيلم إحالات أعلى من كونه إعادة إنتاج أخرى للفيلم الإسباني ومتوازٍ مع غيره من النُّسخ. الفيلم أقرب ليكون أصلياً في مقاربته، تكفي حواراته عالية الإتقان. هو، لجديته في كوميدياه، للذاعته، يحيل أولاً وثانياً إلى وودي ألن، المخرج الأمريكي الذي عُرف أكثر من غيره ببراعة الحوارات في أفلامه، بالمزج بين المر والحلو، بين الفرح والحزن، بالسخرية اللاذعة ذات الطبقات (لنقُل: التلطيش)، تحديداً متى تعلق الأمر بالعلاقات العاطفية. ولعله من الإنصاف القول إن الفيلم إعادة إنتاج بشكل حر، ومنفلت، ومعاصر، لخلطة من أفلامه، أولاها «هانا وأخواتها» (Hannah and Her Sisters، 1986)، «أزواج وزوجات» (Husbands and Wives، 1992)، «مليندا ومليندا» (Melinda and Melinda، 2004). يكون الفيلم بذلك تكريماً لسينما ألن بمعزل عن فيلم بعينه، فمن أفضل من ألن يكتب حوارات لمّاحة ولكل كلمة فيها وقع، تكون كذلك على وقع كأس نبيذ، أو زجاجات تفرغ قبل فراغ الكلام. ويمكن الابتعاد أكثر، إلى عام 1966، وإحالة الفيلم إلى آخر بعنوان «مَن يخاف من فيرجينيا وولف؟» (Who’s Afraid of Virginia Woolf?) للأمريكي مايك نيكولز، حيث يدعو زوجان مملّان وفاقدان الشغف، آخرَين شابيّن، للحديث، مع كؤوس النبيذ دائماً، وإحياء ما بدت علاقة زوجية رتيبة. هو ما نراه تماماً في «الدعوة». لكن، بالابتعاد أكثر، يمكن الوصول إلى المعلم السويدي إنغمار بيرغمان، بمسلسله «مَشاهد من زواج (Scenes from a Marriage، 1973) الذي قدم في ست ساعات مراحل متدرجة من تفكّك علاقة زوجية، ودائماً بناء على الحوارات، مساحة اللعب العظيمة لدى بيرغمان.
لكنه، «الدعوة»، لا يحتاج إلى إحالات تاريخية أو ألنيّة (ألن شديد الإعجاب ببيرغمان)، وإن كان حضور ألن ساطعاً، ويتخطى السيناريو إلى الخطّ المستخدم في هوية الفيلم البصرية، في الملصق، مع الموسيقى الجازيّة، وفي غيرها، مما يجعل الفيلم، غير المضطر إلى هذه الإحالات ليكون فيلماً ممتعاً، فيلماً كاد وودي ألن يحب أن يكون موقَّعاً باسمه. هذه الإحالة الألنيّة تبقى ضرورية لفيلم لن يخسر من امتيازه وبراعته بفقدانها.

كاتب فلسطيني سوري

✎

فريق تحرير بوابة مصر الجديدة

فريق التحرير في بوابة مصر الجديدة — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق