تعد الاستدامة اليوم ركيزة استراتيجية للنمو الاقتصادي المستدام، ليس فقط من منظور حماية الموارد الطبيعية، بل أيضاً باعتبارها أداة رئيسية لتعزيز كفاءة الأنظمة وإدارة الطلب، وضمان أمن الإمدادات في عالم يشهد تحولات متسارعة.
في هذا السياق، تبنّت الإمارات العربية المتحدة نهجاً متكاملاً يربط بين الاستدامة وأمن الطاقة والمياه والغذاء، من خلال الاستثمار المبكر والمستمر في التقنيات المتقدمة والابتكار، بما يسهم في خفض الانبعاثات، وتعزيز كفاءة الإنتاج، وبناء منظومات صديقة للبيئة أكثر مرونة واستدامة.
وقد رسخت دولة الإمارات مكانتها كأحد اللاعبين العالميين في مجال الطاقة النظيفة، بدءاً من تأسيس مدينة «مصدر» قبل عشرين عاماً لتكون منصة رائدة للاستثمار في الطاقة الشمسية داخل الدولة وخارجها، بما أسهم في خلق مزيج متكامل من مصادر الطاقة. وفي هذا الإطار، شكّل التشغيل الكامل لمحطة براكة للطاقة النووية بقدرة 5600 ميغاواط في سبتمبر 2024 محطة مفصلية في مسار الدولة نحو تعزيز أمن الطاقة النظيفة، بما توفره من طاقة مستقرة وخالية من الانبعاثات على نطاق واسع.
ولم تقتصر جهود الدولة على المستوى الوطني، بل اتخذت بعداً دولياً من خلال إطلاق والمساهمة في مبادرات وصناديق تمويلية لدعم تحول الطاقة في الدول النامية، عبر شراكات استراتيجية مع منظمات دولية تعكس التزام الدولة بتعزيز العدالة المناخية. ولعل من أبرزها برنامج صندوق أبوظبي للتنمية، بالتعاون مع إيرينا، بقيمة 350 مليون دولار، وصندوق الشراكة بين الإمارات ودول البحر الكاريبي للطاقة المتجددة بقيمة 50 مليون دولار، وصندوق الشراكة بين الإمارات ودول المحيط الهادئ لدعم مشاريع الطاقة المتجددة بقيمة 50 مليون دولار. ويعكس هذا التوجه اعتماد الدولة نهجاً متكاملاً يربط بين قطاعات الطاقة والمياه والغذاء، باعتبارها منظومة مترابطة لتحقيق التنمية المستدامة.
وانطلاقاً من هذا النهج، عملت الإمارات على الارتقاء بأجندة المياه على المستوى الدولي، لا سيما خلال استضافتها مؤتمر الأطراف COP28، حيث ساهمت في إبراز قضايا المياه ضمن أولويات العمل المناخي العالمي وتعزيز حضورها على الأجندة الدولية، كما أطلقت الدولة مبادرات نوعية في هذا المجال، من أبرزها مبادرة محمد بن زايد للماء ومنصة أبوظبي العالمية للمياه، بما يعكس التزامها بدعم الحلول المبتكرة لمواجهة تحديات ندرة المياه وتعزيز استدامة الموارد المائية، استناداً الى إرث راسخ في العمل الإنساني والتنموي في دولة الإمارات.
في هذا الإطار، تستعد دولة الإمارات لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، بالشراكة مع جمهورية السنغال، والذي يمثل منصة دولية محورية لتسريع تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز التعاون الدولي وتكامل الجهود بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء، بما يسهم في تحقيق نتائج عملية تدعم التنمية المستدامة وازدهار المجتمعات للأجيال القادمة.
وفي ظل هذه الجهود لتعزيز استدامة الموارد، تؤكد الإمارات أن تحقيق الاستدامة لا يمكن فصله عن استقرار النظام الاقتصادي العالمي وأمن الإمدادات، خصوصاً في ظل ما يشهده العالم من تحديات جيوسياسية متزايدة، والتي تؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
وتبرز في هذا السياق أهمية الممرات البحرية الدولية، وفي مقدمتها المضائق الاستراتيجية التي تعد شرياناً حيوياً لحركة التجارة العالمية والطاقة، ويأتي مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة المهمة في استقرار الأسواق العالمية، حيث يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، و25% من الغاز الطبيعي، و33% من الأسمدة العالمية، و70% من احتياجات العالم من المواد البتروكيماوية، كما يواجه نحو 300 مليون شخص خطر نقص الغذاء نتيجة انقطاع الإمدادات. ويشير ذلك إلى أن أي اضطراب في هذه الممرات لا يقتصر أثره على أسواق الطاقة، بل يمتد ليطال الأمن الغذائي العالمي، ويُفاقم من هشاشة سلاسل الإمداد، خصوصاً بالنسبة للدول الأكثر اعتماداً على الواردات.
يُعد استخدام إيران للممرات البحرية كورقة ضغط أو أداة ابتزاز اقتصادي سلوكاً مرفوضاً وغير مسؤول، ويمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي التي تكفل حرية الملاحة في المضائق الدولية، ولا يجيز تعطيل حركة التجارة العالمية أو احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة لمصالح سياسية ضيقة.
وقد أدى التصعيد والتهديدات المرتبطة بأمن الملاحة الدولية إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، انعكست على الأسعار وسلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بما يؤثر سلباً على جهود التعافي الاقتصادي والنمو العالمي، ويضع تحديات إضافية أمام مسارات التحول نحو الاستدامة.
وفي ضوء هذه التطورات المتسارعة، عبّر المجتمع الدولي عن موقف واضح في دعم حرية الملاحة وحماية أمن الإمدادات من خلال سلسلة من القرارات والمواقف الصادرة عن المنظمات الدولية الفاعلة.
ففي 11 مارس، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2817، الذي أدان الهجمات على الملاحة الدولية، ورفض أي أعمال أو تهديدات تستهدف عرقلة حركة السفن في الممرات الدولية.
وفي 19 مارس، اعتمد مجلس المنظمة البحرية الدولية قراراً أدان فيه التهديدات والهجمات التي تستهدف الملاحة البحرية، مؤكداً خطورتها على سلامة البحارة والبيئة البحرية، وحظي بدعم واسع من الدول الأعضاء.
كما صدر في 21 مارس بيان مشترك عن دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة والصديقة، أدان الهجمات على السفن والبنية التحتية البحرية، ودعا إلى وقف التهديدات والالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وفي 25 مارس، اعتمد مجلس حقوق الإنسان قراراً بالإجماع أدان فيه هذه الاعتداءات، معتبراً إياها انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً للسلم والأمن الدوليين، ومعبّراً عن القلق من تداعياتها على التجارة العالمية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
وبتاريخ 28 أبريل 2026، اعتمدت منظمة الأغذية والزراعة بالإجماع قراراً يتناول الآثار المترتبة على الأمن الغذائي العالمي والزراعة الناجمة عن انقطاع سلاسل التوريد في منطقة الخليج، بما في ذلك الطرق البحرية الرئيسية، وأدانت الاستهداف المتعمد من جانب إيران للبنية التحتية المدنية الأساسية لإنتاج الغذاء وتعطيله، ويأتي هذا القرار بقيادة دولة الإمارات، إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر ولبنان والمغرب.
وفي 1 مايو 2026، رحّبت دولة الإمارات بقرار لجنة حماية البيئة البحرية التابعة للمنظمة البحرية الدولية، والذي أدان ممارسات إيران التي تهدد البيئة البحرية، وطالبها بوقف الهجمات التي من شأنها التسبب في التلوث البحري، مؤكداً أهمية حماية البيئة البحرية وضمان سلامة الملاحة.
كما حذّرت وكالة الطاقة الدولية من أن أي اضطراب في تدفقات الطاقة عبر الممرات الحيوية قد يؤدي إلى صدمات حادة في الأسواق العالمية، فيما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن التوترات الجيوسياسية في هذه الممرات تمثل أحد أبرز المخاطر على النمو الاقتصادي العالمي.
وفي هذا الإطار، تؤكد دولة الإمارات التزامها بدعم استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتعزيز موثوقية سلاسل الإمداد، بما يرسخ دورها كشريك مسؤول وموثوق في النظام الاقتصادي العالمي.
كما أعلنت الإمارات في 28 أبريل قرارها بالخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ومن اتفاق «أوبك+»، على أن يسري القرار اعتباراً من 1 مايو 2026، وذلك في إطار رؤية استراتيجية طويلة الأمد تعكس تطور قطاع الطاقة في الدولة، وتسريع الاستثمارات في القدرات الإنتاجية، وتعزيز المرونة في تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة، مع التمسك بدور دولة الإمارات كمنتج مسؤول وموثوق في أسواق الطاقة العالمية.
كما جاء القرار بعد مراجعة شاملة للسياسة الإنتاجية الوطنية والقدرات الحالية والمستقبلية، وفي ضوء ما تشهده الأسواق من تقلبات جيوسياسية متزايدة، بما في ذلك التوترات في منطقة الخليج العربي وممرات الطاقة الحيوية، مع استمرار نمو الطلب العالمي على الطاقة على المدى المتوسط والطويل.
* سفير الإمارات العربية المتحدة لدى الكويت








0 تعليق