«تحت الأنقاض» تفتتح عروض مهرجان الدوحة المسرحي

الراية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الدوحة - هيثم الأشقر:

عُرِضَت مساء أمس على خشبة مسرح المياسة بمركز قطر الوطني للمؤتمرات مسرحية «تحت الأنقاض» لفرقة الدوحة المسرحية، من تأليف الكاتب السعودي ياسر الحسن وإخراج الفنان فالح فايز، وذلك في افتتاح عروض الدورة الثامنة والثلاثين من مهرجان الدوحة المسرحي، الذي ينظمه مركز شؤون المسرح التابع لوزارة الثقافة، وسط حضور لافت من المسرحيين والنقاد والجمهور.

وتدور أحداث المسرحية حول ثلاثة أشخاص يجدون أنفسهم عالقين تحت أنقاض مبنى منهار، ينتمي كل منهم إلى خلفية فكرية مختلفة، لتنشأ بينهم سلسلة من الحوارات والمواجهات النفسية والفكرية في ظل مصير مجهول، بينما تطرح المسرحية تساؤلات إنسانية وفلسفية عميقة تتعلق بالخوف والنجاة والقدر ومعنى الحياة، وكيفية تعامل الإنسان مع احتمالات الفقد والأمل في الوقت ذاته.

قيمة تاريخية

وبهذه المناسبة، أكد السيد عبد الرحمن الدليمي، مدير إدارة الثقافة والفنون بوزارة الثقافة، على القيمة التاريخية والإنسانية لمهرجان الدوحة المسرحي، في دورته الثامنة والثلاثين، موضحًا أن المسرح يعد من أقدم وسائل التعبير البشري.

وأضاف أن المسرح استحق لقب «أبو الفنون» كونه يعكس أعماق التجربة الإنسانية ويتجاوز حدود الزمان والمكان، كما تميز تاريخيًا بقدرته الفائقة على مواكبة التحولات الاجتماعية والتقنية دون أن يفقد هويته أو بريقه، محققًا معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على الأصالة والانفتاح على العصر.

وشدد الدليمي على أن المسرح لم يعد مجرد مرآة كلاسيكية تعكس الواقع والهموم اليومية، بل تحول إلى عنصر فاعل يسهم في تشكيل الوعي المجتمعي، وإثارة النقاشات حول القضايا المعاصرة. من جانبه، شدد السيد عبد الرحيم الصديقي، المدير العام لمركز شؤون المسرح، على أهمية المهرجان، مشيرًا إلى أن مهرجان الدوحة المسرحي يؤكد في دورته الجديدة أن المسرح فعل متجدد لا ينضب، متطلعًا إلى أن تكون عروض هذه الدورة ونقاشاتها مساحة حقيقية للاحتفاء بالجمال والأفكار الملهمة.

وأضاف الصديقي أن القيمة الحقيقية للمهرجانات الثقافية لا تقاس بكم المشاركات، بل بقدرتها على الاستمرار والحفاظ على موعدها مع الجمهور والمبدعين، وهو ما يرسخ مكانتها في الذاكرة الثقافية ويضمن تواصل العطاء المسرحي جيلًا بعد جيل.

من جهة أخرى، أكد مخرج العمل فالح فايز أن المسرحية تنطلق من رؤية إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتسعى إلى تفكيك أسئلة الوجود الإنساني في لحظات الخطر القصوى، مشيرًا إلى أن الاشتغال الإخراجية ركّز على الدمج بين الأداء المكثف والعناصر البصرية والسمعية لتكوين تجربة حسية كاملة.

وأضاف أن المشاركة في افتتاح مهرجان الدوحة المسرحي تمثل مسؤولية فنية، تستدعي تقديم عمل يوازي قيمة الحدث وتاريخه، لافتًا إلى أن المسرح القطري يمتلك طاقات قادرة على إنتاج تجارب نوعية تعكس تطوره واستمراريته في المشهد الثقافي.

لغة بصرية

قدّم العرض تجربة بصرية ودرامية كثيفة، تنطلق من فكرة الانهيار المادي والمعنوي للإنسان داخل فضاء مغلق، حيث تتقاطع طبقات الديكور والإضاءة والأداء في بناء عالم مسرحي قائم على الحصار والاختناق، ويُحوّل الركام إلى لغة بصرية تعكس هشاشة الوجود الإنساني أمام الكارثة.

على مستوى السينوغرافيا، جاء تصميم الفضاء المسرحي بوصفه عنصرًا دراميًا مركزيًا، إذ ظهرت كتل إسمنتية ضخمة وجدران متشققة تحاكي مبنى منهارًا بالكامل، فيما امتد الركام على أرضية الخشبة ليشكّل بيئة خانقة بصريًا تعكس طبيعة النص. هذا البناء لم يكن مجرد خلفية للأحداث، بل تحول إلى «شخصية موازية» تُنتج الإحساس الدائم بالخطر والضغط النفسي. وفي بعده الرمزي، اعتمد الديكور على مفارقة بصرية لافتة تمثلت في وجود كرسي مكتب حديث وملف مستندات داخل فضاء مدمر، وهو ما أنتج تناقضًا دلاليًا بين النظام المؤسسي والحضاري من جهة، والفوضى الوجودية الناتجة عن الانهيار من جهة أخرى، في إشارة إلى سقوط البنى الاجتماعية أمام اختبار البقاء.

حوار نفسي

على مستوى الأداء التمثيلي، اعتمد العرض على بناء داخلي قائم على الانفعال المكثف والحوار النفسي، حيث جسّد الممثلون حالات متباينة من الخوف والإنكار والتصالح مع المصير. وبرزت قدرة الأداء في نقل التحولات النفسية الدقيقة للشخصيات داخل فضاء ضاغط، يقوم على تقليص الحركة الجسدية مقابل تضخيم التعبير الصوتي والانفعالي. وقد نجح الفريق التمثيلي، الذي ضم إبراهيم لاري وأمينة الوكيلي وسماح السيد وعبدالرحمن المنصوري في الحفاظ على إيقاع داخلي متوتر، قائم على التفاعل المستمر بين الشخصيات داخل حالة الحصار، دون الانزلاق إلى الأداء الخطابي أو المبالغة الانفعالية، رغم كثافة النص الفلسفية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق