مباشر- تدخل معركة إسرائيل مع حزب الله اللبناني في صلب الصراع الإقليمي الأوسع، لتشكل امتداداً جبهوياً مباشراً للحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي اندلعت شرارتها في 28 فبراير.
ويتحرك حزب الله في هذه المواجهة ليس فقط كفصيل لبناني، بل كأداة استراتيجية محورية تدار مباشرة من قبل الحرس الثوري الإيراني، الذي يرى في هذه المعركة تحدياً وجودياً للنظام في طهران. ومن ثم، فإن تفكيك جبهة الجنوب اللبناني يُعد في الحسابات الإيرانية إضعافاً لخط دفاعها الأول، بينما تراه إسرائيل فرصة تاريخية سانحة لتأمين حدودها الشمالية وتغيير المعادلات الجيوسياسية الحاكمة للمنطقة.
واستمر تبادل الضربات العنيفة بين إسرائيل وحزب الله كمسار منفصل ومشتعل، على الرغم من التزام الولايات المتحدة وإيران بوقف إطلاق النار المتفق عليه في 7 أبريل. وتصاعدت حدة المواجهة بشكل خطير إثر الغارة الإسرائيلية التي استهدفت موقعاً للحزب في ضواحي بيروت في 7 يونيو، والتي ردت عليها طهران بإطلاق صواريخ باليستية نحو إسرائيل، مما دفع الأخيرة لشن غارات جوية مباشرة داخل العمق الإيراني، مهددة بتحويل المواجهة الإقليمية الحذرة إلى حرب شاملة ومفتوحة عابرة للحدود.
ويخوض حزب الله هذه المعركة وهو يعاني من أعمق موجه انكسارات تشغيلية ولوجستية منذ تأسيسه عام 1982 برعاية إيرانية؛ فقد أسفرت العمليات الإسرائيلية المتلاحقة عن تدمير شبكة اتصالاته اللاسلكية واغتيال نخبته القيادية، وعلى رأسهم الأمين العام السابق حسن نصر الله في سبتمبر 2024.
وتضاعفت هذه الأزمة اللوجستية عقب الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد في ديسمبر 2024 على يد فصائل مسلحة، مما أدى إلى قطع الممر البري الحيوي الذي كان يربط ترسانة الحزب بمصانع السلاح في إيران.
وعلى الجانب الداخلي، يواجه الحزب ضغوطاً سياسية واقتصادية غير مسبوقة داخل لبنان؛ إذ سمح اتفاق وقف إطلاق النار برعاية أمريكية فرنسية في نوفمبر 2024 بانتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة تكنوقراطية سعت لاستعادة سيادة الدولة، حيث كلفت الجيش اللبناني بوضع خطة لنزع سلاح الميليشيات.
وتزامن ذلك مع تراجع الدعم الشعبي للحزب حتى بين أوساط الطائفة الشيعية، نتيجة العجز المالي عن إعادة إعمار القرى المدمرة في الجنوب، مقارنة بحرب عام 2006، فضلاً عن التدابير القضائية والدبلوماسية الصارمة التي اتخذتها بيروت مؤخراً، وشملت سحب أوراق اعتماد السفير الإيراني لرفض استخدام البلاد كورقة ضغط في المفاوضات الدولية.
على الرغم من إعلان الجيش الإسرائيلي عن تقليص ترسانة حزب الله الصاروخية إلى نحو السدس ليحتفظ بنحو 8000 صاروخ فقط، إلا أن الحزب لا يزال يمثل قوة قتالية مؤثرة بنحو 40 ألف مقاتل.
واستطاع الحزب إدخال تكتيكات تسليحية جديدة مفاجئة، تمثلت في استخدام طائرات مسيرة انتحارية موجهة بكابلات الألياف الضوئية، وهي تقنية تفلت من تدابير التشويش ومنظومات الدفاع الإلكتروني الإسرائيلية المتطورة، مما مكنه من استمرار تهديد المستوطنات الشمالية.
وفي المقابل، ترتكز الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية الحالية على خلق واقع جغرافي وأمني جديد بالكامل في جنوب لبنان لضمان استمرارية الأعمال وحماية جبهتها الداخلية؛ وتتضمن هذه الخطة التوغل البري الدقيق لإقامة منطقة عازلة وتأمين خط دفاعي بعمق يتراوح بين 10 إلى 15 كيلومتراً للقضاء على خطر الصواريخ الموجهة والمسيرات السلكية.
وتعمل القوات الإسرائيلية على تفريغ قرى الحافة الأمامية من سكانها وتدمير بنيتها التحتية لمنع عودة عناصر الحزب إليها، تزامناً مع استمرار المحادثات الدبلوماسية غير المباشرة في واشنطن لترسيم الحدود الرسمية، وسط تمسك إسرائيلي حاسم بنزع سلاح الميليشيا كشرط أساسي لإنهاء الهجوم ووقف الحرب.







0 تعليق