زهرة مرعي
أدت الأغنيات القديمة بتوزيع لاتيني بدون المس بجوهرها الموسيقي
بيروت ـ «القدس العربي»: وكأن إحساسها ولد في الزمن الفني الذي عُرف بالـ«جميل». حنين أبو شقرا صاحبة الصوت المتمكن من أداء الأغنيات الراسخة في وجدان كل من سمعها، وجدت لصوتها سبيلاً متفرداً تستعيد معه أغنيات ذاك الزمن، وتسلطن معها. وكان لافتاً أن تجد نفسها وحيدة تخوض غمار الأنغام اللاتينية وهي تؤدي الأغنيات العربية الطربية. لشدة تفاعلها وإحساسها مع النغم اللاتيني والكوبي منه بشكل خاص، بتنا نشعرها وكأنها منسلخة من ضلع تلك البلدان التي استطونها مهاجرون عرب منذ بدايات القرن العشرين، وحتى قبله.
دعت إلى حفل أطلقت عليه «بوليرو أم كلثوم». كانت متوجسة من أن يعاقبها محبو كوكب الشرق لتلاعبها بأنغام أغنياتها. لكن تفاجأت بأن البطاقات سريعاً ما نفدت. وهكذا حقق حفلها في مترو المدينة مؤخراً مساحة تفاعل وترحيب واسعة، ومن أجيال غلب عليها عمر الشباب.
هنا حوار مع حنين أبو شقرا:
○ أنت مغرمة بالأغنية الكلاسيكية وتؤدينها مع آلات غير شرقية. هل هي حداثة الإيقاع والتوزيع؟
• غنى الألحان وجمالها في الأغنيات القديمة جعلني شغوفة بها. انجذابي كبير لأية موسيقى تعبّر عن الجمال، سواء كانت تلك الموسيقى جديدة أو قديمة. إنما يبقى للأغنيات القديمة سحرها الخاص. وعندما أسمعها أشعر بالحاجة لتقديمها في قالب موسيقي حديث، أو لنقل وضع موسيقاها في غلاف يساهم في انتشارها لدى الجيل الجديد. المفارقة التي حصلت معي أنه مع تجديد التوزيع لبعض الأغنيات أعتقد بعض من الجيل الجديد أنها خاصة بي، كما أغنية «قلبي ومفتاحو» لفريد الأطرش. قدمت هذه الأغنية من دون مس بجوهرها الموسيقي، وبقالب حديث جداً. وحصلت المفارقة نفسها عندما قدمت أغنية «لمّا ع طريق العين» وكانت الصبوحة ما تزال على قيد الحياة. يبدو أن الجيل الجديد يقرأ حداثة الأغنية من خلال توزيعها الموسيقي، خاصة وأنه لا يكون على دراية بهذه الأغنية.
○ إعادة التوزيع للأغنيات العربية المعروفة بأصوات الكبار في الفن العربي باتت سائدة. هكذا تسعون كأصوات شابة وقديرة لجذب الجيل الجديد؟
• لو تسمحين لي بتمييز نفسي عن غيري من الفنانين الذين يجددون الأغنيات. توزيعي للأغنية ليس بهدف تسريعها إيقاعياً، وليس لجذب المتلقين إلى حلبة الرقص. «يا زهرة في خيالي» كمثال لإعادة توزيع الأغنيات فقد أدّاها فريد الأطرش على إيقاع التانغو. والبوليرو هو التوزيع الذي غنيتها وفقه، ويتميز ببطء واضح قياساً إلى التانغو. ميزة عملي على الأغنيات القديمة هو النقاء عبر الموسيقى اللاتينية والكوبية، وليس عبر إضافات في الأستوديو. إنه تغيير من الجذور.
○ إذاً هو تغيير في التوزيع وليس بإضافة إيقاعات؟
• بالطبع. لأن الهدف تقديم الأغنية بحُلّة جديدة. مع احترامي وتقديري للجمال الذي كانت عليه الأغنية، إنما جرى تقديمها بأسلوب مختلف ولا أقول جديد. المميز واللافت أن العرب المهاجرين أحبوا هذه التوليفة الموسيقية، والسبب أنها ممزوجة بالثقافة الجديدة التي انتقلوا للعيش فيها. فهذه الأغنيات محببة ومفضلة لديهم، ومُزجت بثقافة يعرفونها، وموسيقى يعيشونها في يوميات حياتهم الجديدة.
○ نشعر بإيقاعات وآلات أمريكا اللاتينية وكأنها تسري في دمك. ما هذا الود معها؟
• لست أدري ما هو السبب، ولا أملك تفسيراً له. أعرف أني ومنذ طفولتي أكنّ إعجاباً بموسيقى الشعوب، وبـ «وورلد ميوزك»، وتلك التي تعبّر عن ثقافة واضحة. كانت موسيقى الغجر والموسيقى الإسبانية تبهجني. وكذلك موسيقى التانغو، والموسيقى الروسية. كنت وما زلت منجذبة لكل موسيقى لها هويتها الواضحة. من المؤكد أني في الطفولة لم أكن اُحسن التفريق بين هذه الموسيقى وتلك. نمت ثقافتي الموسيقية بفعل الاجتهاد وبت أميز بين هذه وتلك. منذ شاهدت الغجرية في فيلم «الأحدب» توقفت عند المشهد. حبي للغجر جعلني أقتنع بما قرأته يوماً ومفاده «بأن الله عندما قسّم الكرة الأرضية على شعوب الأرض لم يكن للغجر أرض. وكي يقنعهم الله بنصيبهم قال لهم لكم الفرح». كانت لديهم قناعة بهذا النصيب، ومن حينها وهم يدورون من بلد لآخر ويوزعون الفرح.
○ تمايلت على إيقاع البوليرو مع أغنيات لأم كلثوم. هل أحب الجيل الجديد هذه التنويعات؟
• التسليم الجدلي الضروري الإقرار به أن الناس تُحب أم كلثوم كثيراً. بمجرد الإعلان عن حفل مخصص لأغنيات أم كلثوم توقعت أن تنهال عليَ الإنتقادات، لأني أعدت توزيع أغنيات أم كلثوم التي يرونها غير قابلة للمس، على إيقاع البوليرو. لكن توقعاتي لم تكن في مكانها. أحب الجمهور الأغنيات، وشعرته حفلاً خفيف الظل على الناس، والآن نفسه غني جداً لجهة الموسيقى.
○ صحيح كما وقدرت شخصياً أنك اخترت إيقاع السالسا للحن القصبجي «ما دام تحب بتنكر ليه». لو كان حياً ماذا تتوقعين كردة فعل من متمسك بشرقيته؟
• القصبجي منفتح جداً على التحديث الموسيقي وكافة أنواع الموسيقى. والدليل أنه أدخل الأوبرا على أغنية «يا طيور». وأدخل الفالس على أغنية «أنا قلبي دليلي» وبأسلوب معاصر جداً. القصبجي متعمق جداً بالموسيقى الشرقية وغير متمسك بها، ومنفتح في معرفته الموسيقية.
○ يعني ذلك أنه راض عن غنائك «ما دام تحب بتنكر ليه» على إيقاع السلسا؟
• أكيد ولا أشك في ذلك مُطلقاً. إيقاع السلسا منسجم مئة في المئة مع تلك الأغنية.
○ باكورة أم كلثوم قبل 100 سنة «سكت والدمع يتكلّم» انطلقت موسيقاها مع الترومبات. هل من سبب فني لهذا الاختيار؟
• رغبت بالقول إن أغنية بعمر 100 سنة يمكن أن تُسمع على إيقاع البوليرو. هذه الأغنية أدتها أم كلثوم مع تخت شرقي ولأول مرة، إذ من المعروف أنها كانت تغني في بداياتها من دون فرقة موسيقية. وهذه الأغنية كانت الأولى في حياتها مع فرقة موسيقية وتخت شرقي، وهي من ألحان محمد القصبجي. ولأني اشتغلت كثيراً على الموسيقى اللاتينية بت أشعر بالأغنيات التي أسمعها من خلال هذه الموسيقى. أن تبدأ أغنية «سكت والدمع يتكلّم» مع الترومبات أمر شعرته يرمز لموسيقى أم كلثوم. هو دولاب شرقي، ما أن ينتهي حتى يبدأ البوليرو على أنغام الترومبات.
○ تحدثتِ عن تعمق ومعرفة بالموسيقى اللاتينية. كيف سمحت لك هذه المعرفة بتوزيع الآلات على هذه الأغنية وتلك؟
• يحتاج الإنسان يومياً أن يضيف مدماكاً جديداً إلى ثقافته الموسيقية. بعد وخلال دراستي في المعهد العالي للموسيقى وصولاً لحيازتي إجازة في الغناء الشرقي وعزف العود، أسمع يومياً موسيقى جديدة، وأسعى لمزيد من المعرفة التي صارت بمتناول الجميع بوجود الإنترنت. العامل المؤثر في حياتي الفنية يكمن في عملي لزمن طويل مع الفرقة الكوبية، وما تعلمته منهم خلال وجودهم في لبنان على مدى 15 سنة متواصلة. ما زلت على تواصل مع تلك الفرقة، وقد أحييت معهم قبل حوالي الشهرين حفلاً في قطر. تُعرف الفرقة باسم «سون كوبانو». تفسير الإسم يعني الإيقاع الذي يميز كوبا بين دول أمريكا اللاتينية.
○ هل تقولين إن وجود هذه الفرقة لسنوات طويلة في لبنان وعملك معهم أطلقك إلى مسار لم يكن في الحسبان؟
• أكيد. بالتعاون مع فرقة «سون كوبانو» باتت الإيقاعات اللاتنينة موجودة في لبنان. العمل المشترك بيننا أدى إلى إدخال الموسيقى اللاتينية بكامل عناصرها وإيقاعاتها إلى العالم العربي. ومن حينها زاد عدد من يرقصون مع الموسيقى اللاتينية، وكذلك عدد الراغبين بدراسة الرقص اللاتيني في المعاهد، وأيضاً عدد المستمعين إلى الموسيقى اللاتينية باللغة العربية.
○ من وزّع الموسيقى وأختار الأغنيات لإطلالتك الأخيرة في مترو المدينة؟
• في الواقع أنا من أخترت الأغنيات ونسقت برنامج الحفل. وبعد استماع أولي مع الموسيقيين كانت لهم إضافات. تمّ تنسيق الأغنيات تبعاً للمقامات وما يليق بما قبل أو بعد هذا المقام أو ذاك، حفاظاً على انسيابية الحفل. الموسيقيون أساتذة وأصدقاء ومتعمقون بأغنيات أم كلثوم، والنقاش بيننا أدى لوضع بعض اللمسات، وتنسيق الأغنيات تبعاً للمقامات. قدمنا حفل بوليرو أم كلثوم في أكثر من مكان، وبقي لكل حفل خصوصيته ومميزاته.
○ يقال إن الموسيقى تُقرّب الشعوب من بعضها. نحن نسعى إلى موسيقى الغرب فلماذا يغص الغرب بربع الصوت؟
• قلة من المتلقين تآلفت مع ربع الصوت، وآخرون يحتاجون لسنوات كي يُصبح ربع الصوت مألوفاً بالنسبة لهم. وفي حفل بوليرو أم كلثوم وحيث كان لربع الصوت حضوره عُزفت الموسيقى شرقية بنسبة مئة في المئة.
○ ومتى ستغنين أسمهان وفق الإيقاعات اللاتينية؟
• في البومي الأول غنيت يا حبيبي تعالى، ونويت أداري آلامي، وايمتى حتعرف. وبالمناسبة يا حبيبي تعالى أصل موسيقاها كوبي وعمرها مئة سنة. وأعاد توزيعها مدحت عاصم. حفل لأسمهان في البال وبالتأكيد وفق أسلوبي في الغناء.
○ ثقافتك الموسيقية ومميزات صوتك تستدعي أن تكون لك أغنيات خاصة بك. متى سيتحقق ذلك؟
• رداً على السؤال بحوزتي 12 أغنية من ألحاني جاهزة للتسجيل. وثمة أغنية جرى تسجيلها وستكون جاهزة للنشر قريباً، وعنوانها «حلوة الحلوين يا بيروت» كُتبت كلماتها بعد تفجير المرفأ. ومن الألحان التي بحوزتي مجموعة يفترض أن تغنيها أصوات أخرى. ومن دون شك أديت سابقاً قصائد خاصة، كما «آمنت أن لا شيء سوى الحب»، و«سلسا سالسيتا» و«بيروت هافانا» من ألحان ميشال الفترياديس. تجاربي في التلحين بدأت قبل عشر سنوات، ألحان منسابة بدون سعي لتصنيعها.
○ هل تؤدين بعض ألحانك في حفلاتك؟
• الحفل الذي يحمل ثيمة محددة لا أضيف إليه أيا من أغنياتي. أعمل حالياً على «شو» بعنوان «حنين حول العالم» يتضمن مجموعة من الألحان العالمية. ومن ضمنها أغنية سمعت لحنها في البرازيل، فكتبت كلمات لأغنية عربية «لما تكون لبناني».
أخبار متعلقة :