بوابة مصر الجديدة

خفة النسيان

أخرج كل صباح على عجل. أغلق الباب بالمفتاح نفسه الذي حملته سنوات طويلة، وأهبط الدرج الحجري. عند العتبة الثالثة يصدر الحجر أنينه المعتاد، فأميل بجسدي قليلا إلى اليمين وأتابع النزول. في الخارج لا يزال الرصيف يحتفظ برطوبة الليل، حيث تتجمع المياه في الفواصل. أمضي في الطريق الذي حفظته قدماي حتى صار جزءا من عادتي اليومية. وقريبا من ساحة مولاي المهدي، لمحت رجلا في الجهة الأخرى من الشارع. كان يحدق في سكون كامل. ظل لحظة على حاله، ثم رفع رأسه فجأة. وحين التقت عيناه بعيني، تبدل وجهه كله، وانفتح على ملامح دهشة قديمة. نزل إلى الشارع مسرعاً، يعبر المسافة بيننا بخطوات متلاحقة. خرجت سيارة بيضاء من المنعطف، وكادت أن تصدمه. ضغط السائق على المكابح بعنف، فاندفع الرجل إلى الأمام، ثم التفت ورفع يده معتذراً، ومضى كأن شيئاً لم يكن. وصل إليّ وفتح ذراعيه، ثم احتضنني بقوة أربكتني. ظللت بين ذراعيه لحظة، أسمع أنفاسه وأشعر بحرارة جسده. ابتعد قليلا، وضحك. كانت ضحكته واسعة ومألوفة، تحمل نبرة قديمة أيقظت في داخلي إحساسا بالألفة. ظللت أحدق في وجهه، أبحث في ملامحه. على نحو مدهش، بدأ يستعيد أمامي أشياء أخذت تتجمع في ذاكرتي على هيئة صور متباعدة. تحدث بحرقة عن «الغرسة» المتاخمة لمدرسة علال بن عبد الله، التي اختفى أثرها، وعن مسك الليل الذي كان يملأ الحومة في المساء بعطره الكثيف. ثم انتقل إلى الكنيسة المجاورة لمسكننا والمعمار الإسباني، وتوقف عند بيت هدموه، وبقيت صوره القديمة شاهدة على مكان امتدت إليه يد المحو. ذكر بنات من الحي خرجن إلى إيطاليا في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وتحدث عن ابنة الإسكافي التي أصبحت أستاذة جامعية مرموقة في ألمانيا، ثم ضحك وهو يستعيد موقفا قديما، فضحكت معه، كأن شيئا في داخلي بدأ يتعرف إلى الحكاية من خلال ضحكته. كنت أومئ برأسي، وكان الإيماء يملأ مكان الكلام. وحين توقف فجأة، رأيت عينيه تتغيران. اقترب من وجهي كأنه يبحث فيه عن جواب تأخر طويلا.

قال عبدو: هل أنت بخير؟
ابتسمت.. خرجت الابتسامة تلقائية، وضع يديه على كتفي وهزهما برفق. ظل لحظة يتأمل ملامحي، ثم تركني وعاد إلى الجهة الأخرى من الشارع. تابعته بعيني حتى غاب بين المارة. ظل رحيله عالقاً في داخلي. أخذت أتساءل عن ذلك الشيء الذي تركه. شعرت بأن شيئا قريبا مني عبر الشارع معه، وحمل جزءا من حكاية أجهلها. واصلت المشي. قطعت مسافة قصيرة حتى اعترضني رجل آخر. كان قصير القامة، يرتدي سترة بالية عند الأكمام، وتبدو عليه هيئة رجل جاء ليسترد شيئاً تأخر صاحبه في إعادته. وقف أمامي وسألني:
ـ لماذا كنت تقف كل صباح عند رأس الشارع وتمنعنا من المرور إلى طريق النهر؟
نظرت إليه، ثم إلى الشارع خلفه. ترددت في ذهني أسماء متباعدة: شارع الأندلسية، طريق النهر. أخذت أبحث بينها عن خيط يصلني بصباح قديم، عن صورة لطفل يقف في المكان نفسه، وعن وجوه أطفال يمرون من أمامه. قلت له:
ـ معذرة، لا أتذكر.
ظل واقفا أمامي لحظة، يحدق في وجهي بعين واحدة، كأن السنوات كلها لم تستطع أن تمحو ما بيننا. اقترب خطوة، وقال بصوت خفتت فيه ملامح العتاب وبقي شيء من الغضب القديم:
ـ رغم أنك كنت نحيلا، كنت صلبا. فقأت عيني اليمنى، ثم اختفيت شهورا في «الواد». ظل والدك يبحث عنك حتى عثر عليك بمساعدة أصدقائك. يومها، أمام أهل الحي، نلت من الضرب ما لم ينله طفل في سنك. كنت تنظر إليّ بعينين ممتلئتين بالخوف والعناد. صمت لحظة، ثم حدق في وجهي كأنه ينتظر أن يرى في عينيّ الطفل الذي يعرفه.
ـ ألا تتذكر؟
نظرت إلى عينه اليمنى. بقيت الجملة معلقة بيننا. بحثت في وجهه عن الطفل الذي كنت أراه فيه، فلم أجد سوى فراغ يتسع بيننا. أدار وجهه وانصرف. تابعت ظهره حتى ابتلعه الشارع. خطر لي أنني ربما كنت فعلا ذلك الطفل الذي وصفه. حاولت أن أتخيل «باب الواد» كما كان في تلك السنوات، بيوته، دكاكينه، أصواته، خصوماته الصغيرة، صداقاته، والأطفال الذين كانوا يعرفون طرقه وحكاياته، لكن من دون جدوى.
دخلت المقهى المعتاد. استقبلتني رائحة دخان معهود قبل أن تظهر الطاولات أمامي. كانت الجدران مشبعة بها، حتى الخشب بدا كأنه شرب منها سنوات طويلة. ناداني رجل من آخر القاعة، ورفع يده بثقة رجل ينتظر استجابتي. جلست أمامه. كان الوقوف أمام رجل يعرف اسمي أكثر غرابة من الجلوس معه. جاء النادل ووضع أمامي كوب النسكافيه الذي أتناوله عادة. بدأ الرجل المقابل يتحدث عن أناس كثيرين. كان يربط كل اسم ببيت أو دكان أو حادثة صغيرة، ويعيد ترتيب الحي أمامي، كما لو أنه يستخرج من ذاكرته خريطة قديمة. تحدث عن «الروخو»، الوسيم الذي كان يسكن قرب السوق. باع بيته بعد أن علم بخيانة زوجته، ثم رحل ولم يعد أبدا. ذكر امرأة عجوزا ظلت سنوات تفتح نافذتها منذ الفجر إلى ما بعد العصر، أملا في عودة حفيدها الذي ركب أمواج الهجرة السرية، حتى اختفت النافذة والبيت معا. واستعاد من دون توقف وجوها كانت تجلس في مقهى «الجلدة» حول كأس شاي لا مثيل له، قبل أن تدخل المقهى دروب العدم. كان يحسن الحديث، وكنت أصغي. راقبت أصابعه وهي تتحرك فوق الطاولة، بإيقاع يشبه قائد فرقة أوركسترا يقود موسيقى لا أسمعها كاملة. توقف فجأة ونظر إليّ.
ـ يمكنك أن تنسى أشياء كثيرة، لكن أليكس لا يُنسى. ألا تتذكره؟
تردد الاسم في داخلي. كرره الرجل مرة أخرى، ثم ابتسم وهو يخبرني أنه كان كلبا رمادياً قويا لا يفارقني. كان ينتظرني عند الباب، ويمشي خلفي وأمامي في الطريق، ويعرف من وقع خطواتي أنني قادم. تحدث عنه كما يتحدث المرء عن فرد من أهل البيت، عن كائن عاش تفاصيل الأيام الصغيرة، وارتبط بصاحبه حتى صار جزءاً من صورته. أغمضت عيني. حاولت أن أستدعي ملامحه، لون فرائه، صدى نباحه، ملمس رأسه تحت يدي. اقتربت الصورة للحظة، حتى خُيّل إليّ أنني أستطيع أن ألمسها، ثم تلاشت. فتحت عيني. رفعت كوب النسكافيه. كان باردا. وضعت النقود في يد النادل وخرجت.
في الطريق مررت بحديقة مهملة. تجاوز العشب السياج، واستقرت الأغصان اليابسة عند المدخل، وتحت شجرة «الواحة» جلس رجل لم أره من قبل. رفع عينيه حين اقتربت، ثم ابتسم ابتسامة هادئة، كأن بيننا موعدا نسيته. جلست إلى جواره. بقي كل واحد منا في مكانه، تجمعنا سكينة المكان. كان يعرفني كما يعرف المرء وجها مرّ به ذات يوم. أخذ الصمت مكان الكلام، وصارت الألفة الغامضة التي تصنعها المصادفات جسرا خفيفا بين شخصين جمعتهما لحظة عابرة.
حل المساء ببطء، أخذت الوجوه طريقها إلى البيوت. عدت إلى بيت والدتي، خلعت حذائي وتركته قرب الباب، ثم استلقيت بثيابي فوق السرير. ظللت أحدق في السقف وأستعيد وجوه ذلك اليوم. كانوا يعرفونني جيدا، بينما أعجز عن جمع محكياتهم في صورة واحدة، وعن استرجاع أثر من الطفل الذي كنتُه، ذلك الطفل الذي ظل، بتعبير أدونيس، بعيدا في الذاكرة، كلما حاولت الاقتراب منه ابتعد أكثر. سألت نفسي: من كنت؟ حارسا عند رأس الشارع؟ صديقا لأطفال الحي؟ أم واحداً من صعاليك «باب الواد»؟ بحثت عن الطفل الذي كنتُه، فلم أجده. بقيت وحدي في الغرفة، أغمض عيني وأفتش في العتمة عن وجهه. خارج النافذة خفتت أصوات السكارى في الحي، وغرق البيت في سكونه القديم. جاء النوم ببطء. ولم يأتِ الطفل الذي كنتُه.

كاتب مغربي

أخبار متعلقة :