بوابة مصر الجديدة

ما بعد الحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط: تكتلات إقليمية وعودة إلى الاعتماد على الذات

لندن ـ “القدس العربي”: قالت مجلة «إيكونوميست» إن اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي بدأ يوم الثلاثاء بخطاب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكد للحضور من قادة العالم أن الولايات المتحدة لم تعد حلاً لمشاكل الشرق الأوسط وآلامه بقدر ما أصبحت أصل المشكلة.

واعتبرت أن هذا المشهد القاتم، الذي جاء نتيجة فشل استمر 35 عاماً، هو حصيلة مغامرات الولايات المتحدة العسكرية الفاشلة، ويتناقض مع شعور الأمل لدى المسؤولين الأمريكيين الذين اعتقدوا، في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، أنهم قادرون على تشكيل مستقبل المنطقة. ونبع هذا الشعور من عملية عسكرية ناجحة لإخراج قوات صدام حسين من الكويت عام 1991، وعقد مؤتمر مدريد الذي اعتقد الدبلوماسيون الأمريكيون أنه سيسهم في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وفوق كل هذا، بدت أمريكا طليقة اليد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

هذا المشهد القاتم، الذي جاء نتيجة فشل استمر 35 عاماً، هو حصيلة مغامرات أمريكا العسكرية الفاشلة، ويتناقض مع شعور الأمل لدى الأمريكيين الذين اعتقدوا، في بدايات التسعينيات، أنهم قادرون على تشكيل مستقبل المنطقة

ولكن السنوات التي تسيدت فيها أمريكا خلفت وراءها فوضى واضطرابات، وكان آخرها الحرب التي شنها ترامب ضد إيران، التي قال إنها ستنتهي في أيام، لكنها دخلت شهرها الثامن دون أفق للحل. وتسببت الحرب بأضرار اقتصادية لحلفائه العرب في الخليج وبقية العالم.

وبحسب المجلة ستكون من أهم التداعيات الدائمة للحرب الحالية خسارة ثقة الحلفاء وإجهاد الناخبين، في وقت تحتاج فيه أمريكا إلى مواجهة أزمات في مناطق أخرى.

وعليه، ففي قراءتها لمستقبل المنطقة، تقول «إيكونوميست» إن أحداً لن يحل محل أمريكا، ولا سيما الدول العربية. وهذا يعني أننا أمام أيام عصيبة، مع أن انتهاء الحقبة الأمريكية لن يكون سيئاً على المدى البعيد.

ووفق المجلة فلعل أهم هدف الآن هو وقف الحرب، حيث عقدت أمريكا وإيران محادثات غير مباشرة استمرت ثلاث ساعات في الأمم المتحدة، في 22 أيلول/سبتمبر، نقل خلالها مبعوثون قطريون الرسائل بين الجانبين. وكانت هذه أول محادثات من هذا النوع منذ حزيران/يونيو، ووصفها ترامب بأنها «مثمرة جداً»، رغم أنه كرر تهديده بـ«إبادة» إيران في خطابه أمام الجمعية العامة.

ومع ذلك، كان الدبلوماسيون أقل حماسة بشأن المحادثات. فقد أتاحت لكلا الجانبين فرصة لإعادة تأكيد مواقفهما، لكن صيغتها لم تكن مواتية لتحقيق انفراجة، وظلت المواقف متباعدة. وتريد إيران من أمريكا العودة إلى «مذكرة التفاهم»، وهي اتفاقية قصيرة الأجل وُقّعت في حزيران/يونيو، بينما يفضل ترامب إلغاءها والتفاوض على شيء جديد.

ولفتت المجلة إلى أنه بينما تستمر الحرب في إيران، تصاعدت الحرب في اليمن. ففي هذا الشهر، نقض الحوثيون اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2022 مع خصومهم المدعومين من السعودية، وسيطروا على جزء من الساحل الجنوبي الغربي لليمن. واستأنف الحوثيون أيضاً هجماتهم على السعودية نفسها.

وبحسبها فمن جانبه، يأمل ترامب أن يؤدي الضغط الاقتصادي إلى استسلام إيران. فقد تسبب حصاره المفروض على الملاحة الإيرانية منذ شهرين في فوضى عارمة. ومع توقف موانئها، تكافح إيران لإعادة توجيه التجارة عبر الطرق البرية، حيث تتكدس مئات الشاحنات في طوابير تمتد لأيام عند الحدود. وقد سجل الريال الإيراني انخفاضات قياسية متتالية، وبلغ التضخم مستويات تقارب المئة في المئة. كما أن منع شركات الطيران الإيرانية من التحليق سيعطل سلاسل إمداد الأدوية في البلاد.

ووفقها لا يستطيع أي من الطرفين حسم الحرب لصالحه بشكل قاطع، ويسود اعتقاد في واشنطن وطهران ودول الخليج بأن الحرب ستستمر حتى نهاية العام.

وتشير المجلة إلى أن الولايات المتحدة جربت، خلال العقود الماضية، كل أنواع التدخل العسكري في المنطقة. فقد أرسلت قوة برية إلى العراق، واستخدمت القوة الجوية في ليبيا، وسلحت المتمردين السوريين، ودعمت التحالف الذي تقوده السعودية، والذي خاض الحرب في اليمن عام 2015. نجحت بعض هذه التدخلات في تغيير الأنظمة، لكنها خلفت وراءها فوضى عارمة، بينما فشلت أخرى. لكنها جميعاً تشترك في أنها لم تحقق منافع للمصالح الأمريكية.

ورغم التداعيات المحدودة التي عانت منها أمريكا، فإن مغامراتها العسكرية أثرت في حلفائها، وبخاصة الحرب الحالية ضد إيران. وتعرض حلفاء أمريكا في الخليج لآثار كبيرة ستؤدي إلى تباطؤ اقتصاداتهم في 2026، وخسروا مئات المليارات من الدولارات من مبيعات النفط والغاز الضائعة. كما تراجعت عائدات السياحة وتضررت البنى التحتية.

وبعيداً عن الخليج، أحدثت الحرب أيضاً صدمة في قطاع الطاقة شعر بها العالم أجمع، وأثارت استياءً شعبياً واسعاً بين الأمريكيين.

وتلاحظ المجلة أن 60% من الأمريكيين انتظروا أربع سنوات لكي يصفوا غزو العراق بالخطأ، بينما توصلوا إلى هذه النتيجة بشأن الحرب في إيران في أقل من شهرين.

ولا غرو أن هذه التطورات ستفرض قيوداً على دور أمريكا المستقبلي في المنطقة.

60 % من الأمريكيين انتظروا أربع سنوات لكي يصفوا غزو العراق بالخطأ، بينما توصلوا إلى هذه النتيجة بشأن الحرب في إيران في أقل من شهرين.

وأكدت المجلة أن دول الخليج اختلفت مع أمريكا في السابق؛ فقد حث السعوديون جورج دبليو بوش على عدم غزو العراق عام 2003، وشعرت دول الخليج بالقلق عندما طلب باراك أوباما من حسني مبارك التنحي عام 2011، إلا أن الخلافات لم تصل إلى درجة التشكيك في قدرة أمريكا أو التزامها بأمنهم.

ومع ذلك، بدأت دول الخليج تتساءل عن هذا الالتزام بعد فشل أوباما في تطبيق خطه الأحمر ضد بشار الأسد عام 2013، وعدم الإطاحة بالنظام السوري، حيث بدت أمريكا ضعيفة وغير حاسمة. وتبع ذلك سلسلة من الضربات الإيرانية وضربات حلفائها ضد أهداف في السعودية عام 2019 والإمارات العربية المتحدة عام 2022، حيث فشلت واشنطن في الرد أو الدفاع عن حلفائها. لكن ترامب دمر ما بقي من ثقة لدى دول الخليج بشنه حرباً حاول الرؤساء من قبله تجنبها.

وتقول المجلة إن في الخليج ليس هناك من له استعداد لمناقشة مستقبل القواعد الأمريكية في المنطقة علناً، وتنقل عن أحد الدبلوماسيين قوله: «ليس هذا هو الوقت المناسب لمثل هذا الحديث على الإطلاق». ذلك أن الحديث عن إغلاق بعض القواعد التي ضربتها إيران خلال الحرب، أو حتى تقليص حجمها، سيجعل أمريكا تبدو وكأنها تتخلى عن حلفائها في وقت حرج. ومن المرجح أن تدفع الحرب أمريكا إلى التخلي عن الاحتفاظ بمنشآت كبيرة ودائمة.

ويأمل مسؤولون في المنطقة التفاوض على قواعد جديدة بشأن كيفية استخدام هذه القواعد. وقد بدأوا بالفعل بفرض قيود مؤقتة؛ فقد أحبطت السعودية محاولة لإعادة فتح مضيق هرمز في أيار/مايو عندما منعت الطائرات الحربية الأمريكية من التحليق في مجالها الجوي. وفي أماكن أخرى من المنطقة، بدأت الولايات المتحدة بالفعل بالانسحاب، حيث أنهت انسحابها من قواعدها في سوريا هذا الربيع، ومن المقرر إخلاء قواعدها في العراق بحلول نهاية أيلول/سبتمبر.

ومهما كانت نهاية الحرب، فلن تكون إيران التهديد الوحيد لأمريكا. فقد تزامن عهد التدخل الأمريكي المكثف في الشرق الأوسط مع فترة من الهدوء النسبي في مناطق أخرى. وستظل السياسة الداخلية قيداً؛ فمنذ تصعيد ليندون جونسون لدور أمريكا في فيتنام، لم يحاول رئيس أن يفسد ولايته بحرب خارجية. وسيأخذ خلفاء ترامب المحتملون ذلك بعين الاعتبار. فجيه. دي. فانس، المرشح الأوفر حظاً للفوز بترشيح الحزب الجمهوري، متشكك جداً في حروب الشرق الأوسط، والأمر نفسه يصدق على مرشحي الديمقراطيين. ويضاف إلى ذلك تدهور النظرة إلى إسرائيل؛ فالإجماع المؤيد لها، الذي ساهم في صياغة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، آخذ في التلاشي.

وترى المجلة أن تقليص النفوذ ليس تراجعاً، وستحتفظ أمريكا بمصالحها في الشرق الأوسط. وما سيتغير هو مفهوم أمريكا بوصفها ضامناً للأمن الإقليمي، أي «أننا نتصل بواشنطن كلما واجهنا مشكلة»، كما يقول أحد المسؤولين الخليجيين.

وتقدم الأحداث الأخيرة في اليمن لمحة عما يعنيه ذلك. فلم يرفض ترامب طلبات الأمير محمد المتكررة شن غارات جوية على اليمن، بل تحدث ممثلوه أيضاً في عُمان مع مبعوثين من الحوثيين، الذين وعدوا بالالتزام بوقف إطلاق النار بحلول عام 2025 والامتناع عن مهاجمة السفن الأمريكية في البحر الأحمر. وقد يكون هذا الأخير بادرة فريدة من نوعها من ترامب؛ فمن الصعب تخيل رؤساء آخرين يعقدون صفقات جانبية مع إرهابيين مصنفين، لكن التردد في التدخل سيستمر بعد رحيله.

وتعتقد المجلة أن خارج المنطقة ليس هناك من هو قادر على سد الفراغ الذي ستتركه أمريكا. فأوروبا ضعيفة. وعندما طلبت السعودية المساعدة، عرضت بريطانيا ناقلة وقود جوية واحدة. أما روسيا، فلا تملك الوسائل، فهي غارقة في أوكرانيا، ولا الإرادة، فقد عرضت المساعدة على الحوثيين بدافع الانتقام من أمريكا في الغالب. وترى الصين نفسها مستفيدة من الاضطرابات الإقليمية، لكنها ليست مرشحة لإنهائها.

وهذا يترك دول المنطقة، وأقواها الدول الثلاث غير العربية. فإيران تمتلك صواريخها ووكلاءها، بينما تمتلك إسرائيل الجيش الأكثر كفاءة في الشرق الأوسط. ويمكن القول إنهما متطابقتان: قويتان بما يكفي لزعزعة النظام الإقليمي، لا لإنشائه. أما الدولة الثالثة فهي تركيا، وهي قوة عسكرية ودبلوماسية ومصدر متزايد للأسلحة. وقد تدخلت بشكل حاسم في صراعات سابقة، لكن الأتراك يُنظر إليهم بعين الريبة من قبل إيران وإسرائيل والعديد من الدول العربية.

وتتوقع المجلة أن تنقسم المنطقة، على المدى القريب، إلى تكتلات، حيث ستتحالف الدول العربية مع قوى غير عربية. أما على المدى البعيد، فسيتطلب الاستقرار من هذه الدول الاضطلاع بدور أكبر. ولتحقيق ذلك، ستحتاج إلى جيوش أفضل، وتحالفات أقوى، والأهم من ذلك: التعاون.

وثمة بوادر مبكرة تدل على إدراكها ضرورة التغيير، على الأقل لدى الدول المستقرة والغنية في الخليج. ولنأخذ جيوشها مثالاً: فقد أمضت دول الخليج عقوداً في شراء معدات عسكرية أمريكية باهظة الثمن، لم يكن جميعها مفيداً في الحروب التي خاضتها.

والأهم من ذلك كله، ستحتاج الدول العربية إلى الاتفاق على نوع المنطقة التي ترغب في تشكيلها. قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، كان من الشائع سماع مسؤولين خليجيين يتحدثون عن «شرق أوسط جديد» يركز على جني المال أكثر من خوض الحروب. وقد كانت فكرة جذابة، لكنها غير قابلة للتطبيق في منطقة مليئة بالصراعات المستعصية والحكومات غير القادرة. اليوم، لا تستطيع السعودية والإمارات حتى التعاون في اليمن، رغم أن الحوثيين يشكلون خطراً عليهما. ولم تتحول جامعة الدول العربية ولا مجلس التعاون الخليجي، وهو تجمع لست دول نفطية، إلى مؤسسات فعالة.

خارج المنطقة ليس هناك من هو قادر على سد الفراغ الذي ستتركه أمريكا. فأوروبا ضعيفة. وعندما طلبت السعودية المساعدة، عرضت بريطانيا ناقلة وقود جوية واحدة. أما روسيا فهي غارقة في أوكرانيا

وقد كانت هذه السلبيات نتيجة حتمية للحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط. ولم تشترك أمريكا وحلفاؤها الإقليميون قط في أجندة واضحة. ولم يكن هناك مشروع ليبرالي ديمقراطي يجمعهم، كما كان الحال في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. كما لم تشجع أمريكا النمو الاقتصادي الذي سعت إليه في آسيا. كل ما أرادته هو ضمان استمرار تدفق النفط، وحماية إسرائيل، والحفاظ على قواعدها. ولم يتطلب أي من هذه الأهداف أن تكون الدول العربية قادرة أو مزدهرة، بل إن بعضها كان ليسهل تحقيقه لو لم تكن كذلك. وقد كان هذا مناسباً لحلفائها، الذين انصب اهتمامهم بالدرجة الأولى على الحفاظ على أنظمتهم.

واستطاعت أمريكا الحفاظ على الوضع كما هو لفترة ما. لكن اليوم، قواعدها مدمرة، وناقلات نفطها تتعرض للهجوم، وحليفها الأقرب، إسرائيل، في حالة حرب منذ ثلاث سنوات.

وحتى لو لم يقدم ترامب على هدمها بتهور، فإن ما بنته أمريكا على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية لم يكن متيناً على الإطلاق؛ فالكثير من دول المنطقة كانت ضعيفة أو منقسمة أو فاشلة. ومن دون الضامن القديم الذي كانت تعتمد عليه، ربما سيتعين عليها الآن بناء شيء أفضل بنفسها.

أخبار متعلقة :