في أجواءٍ ثقافيةٍ ومعرفيةٍ احتفى بها معرضُ الدوحة الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين، أطلقت المؤسسةُ القطرية للإعلام «الموسوعة الإعلامية» بوصفها مشروعًا علميًّا نوعيًّا يسعى إلى إعادة بناء الوعي بالمفاهيم الإعلامية، وتأصيلها داخل إطارٍ معرفيٍّ حديث يواكب تحولات الخطاب الإعلامي المعاصر.
وتأتي الموسوعة لتؤسس رؤيةً علميةً جديدة في مقاربة المفهوم الإعلامي، تنطلق من شعارها الدال: «نحو قراءة جديدة في بنية المفهوم الإعلامي». فهذه الموسوعة لا تنظر إلى المصطلح الإعلامي باعتباره لفظًا جامدًا أو تعريفًا معجميًّا مغلقًا، بل تتعامل معه بوصفه بنيةً معرفيةً مركبة تتقاطع فيها اللغة والتاريخ والخطاب والسلطة والسياق الحضاري؛ بما يجعل دراسة المفهوم مدخلًا لفهم التحولات العميقة التي شهدها الحقل الإعلامي العربي والعالمي.
ومن هنا، فإن هذا الإصدار الأول لا يمثل مجرد عمل توثيقي أو قاموسي، وإنما يعكس مشروعًا فكريًّا يسعى إلى إعادة بناء الجهاز المفاهيمي للإعلام داخل إطار علمي نقدي متكامل، يجمع بين التحليل المفهومي الدقيق، والتتبع التاريخي لمسارات تشكّل المفاهيم، والنقد التداولي والخطابي الذي يكشف عن تحولات الدلالة وعلاقاتها بالبنية الثقافية والسياسية والإعلامية.
لقد تجاوزت الموسوعة حدود الوصف التقليدي للمفاهيم إلى تفكيكها، واستعادة سياقاتها التاريخية، ورصد تحولات استعمالها، والكشف عن أنساقها الخطابية، إدراكًا منها أن المفهوم الإعلامي ليس عنصرًا محايدًا، بل هو جزء من منظومة إنتاج المعنى والتأثير وصناعة الوعي العام. ومن هذا المنطلق، جاءت الموسوعة في بناء منهجي متوازن يراعي مختلف أبعاد الإعلام؛ من الصنعة الإعلامية وتقنياتها، إلى المؤسسات والمنصات، مرورًا بالأعلام الإعلامية، ووصولًا إلى المفاهيم السياسية المتداولة في المجال الإعلامي.
وقد انقسمت الموسوعة إلى قسمين رئيسيين: قسم خاص بالمفاهيم الإعلامية والأعلام(200مفهوم)، وقسم آخر يُعنى بالمفاهيم السياسية في الحقل الإعلامي(100مفهوم)، في محاولة لتقديم صورة معرفية شاملة تعكس طبيعة التداخل بين الإعلام والسياسة والثقافة في العصر الحديث.
ومن أبرز ما يميز هذا المشروع اعتماده معايير علمية دقيقة في اختيار المفاهيم، تقوم على الكثافة التداولية، والتأثير في الوعي العام، والجدارة النقدية، والامتداد الزمني، والقابلية للتوليد الاصطلاحي؛ بما يحوّل عملية الاختيار من اجتهاد فردي محدود إلى قرار مؤسسي قائم على مؤشرات منهجية واضحة. كما حرصت الموسوعة على تحقيق التوازن بين الصرامة الأكاديمية في التوثيق والتحليل، وبين سلاسة العرض وسهولة القراءة، لتكون موجهة إلى الباحثين والممارسين الإعلاميين والطلاب والقارئ العام في آنٍ واحد.
وفي سياق مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، لم تقف الموسوعة عند حدود الإصدار الورقي والصوتي، بل اتجهت إلى إنشاء منصة رقمية موازية تجعل منها مرجعًا حيًّا متجددًا، قابلًا للتحديث المستمر، وقادرًا على استيعاب التحولات المتلاحقة في البيئة الإعلامية المعاصرة. كما تسعى هذه المنصة إلى توسيع نطاق الوصول إلى المحتوى، بما يتجاوز الحدود الجغرافية، ويخاطب جمهورًا عربيًّا ودوليًّا مهتمًّا بالدراسات الإعلامية والمفاهيمية.
وقد حرص هذا المشروع على الجمع بين الأصول النظرية الكلاسيكية والإسهامات المعاصرة في الدراسات الإعلامية، مع إلحاق الموسوعة ببيبليوغرافيا علمية شاملة تضم أبرز المراجع والدراسات ذات الصلة، بما يعزز قيمتها الأكاديمية ويجعلها منطلقًا للبحث والتطوير والتراكم المعرفي.
ويكتسب هذا الإصدار أهميته كذلك من كونه «لحظة تأسيس» لمشروع موسوعي مفتوح ومتنامٍ، لا نسخة نهائية مغلقة؛ إذ يطمح إلى بناء جهاز مفاهيمي عربي رصين يدعم حضور الفكر الإعلامي العربي في المشهد المعرفي الدولي، ويمنح الباحث العربي أدوات أكثر دقة لفهم الإعلام وتحليل خطاباته وتحولاته.
ومن هنا، نُسجل بكل تقدير تبنّي المؤسسة القطرية للإعلام، لهذا المشروع المعرفي، ودعمها له منذ انطلاقته الأولى، إيمانًا منها بأهمية بناء مشروع إعلامي عربي رصين يُسهم في ترسيخ الوعي المفاهيمي، وتعزيز الحضور الثقافي والمعرفي للمؤسسة القطرية للإعلام في فضاء الإعلام العربي والدولي.
وفي هذا السياق، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى اللجنة العلمية للموسوعة، لما بذلته من جهدٍ علميٍّ وفكريٍّ في تحرير المادة المفاهيمية، وتأصيلها، ومراجعتها وفق رؤيةٍ منهجيةٍ دقيقة. والشكر موصول كذلك إلى أعضاء اللجنة الإدارية؛ لما قدموه من جهودٍ تنظيميةٍ وإداريةٍ أسهمت في تيسير أعمال الموسوعة، ودعم مسيرتها حتى خرجت إلى النور في صورتها العلمية المنشودة.
وهكذا تمضي «الموسوعة الإعلامية» في إصدارها الأول بوصفها خطوة تأسيسية واعدة، لا تكتفي بتوثيق المفاهيم، بل تسعى إلى إعادة التفكير فيها، وفتح أفق جديد لقراءة الإعلام بوصفه حقلًا معرفيًّا حيًّا ومتجددًا، قادرًا على إنتاج المعنى وصياغة الوعي وبناء المستقبل.
محمود حسن الدمنهوري
عضو اللجنة العلمية للموسوعة
أخبار متعلقة :