الدوحة - قنا:
يحتفِي العالمُ في الثامنَ عشرَ من مايو من كل عام باليوم العالميّ للمتاحف، الذي أطلقَ رسميًا في عام 1977 بقرار من الجمعيّة العامة للمجلس الدولي للمتاحف (أيكوم)، خلال اجتماعها في العاصمة الروسيَّة «موسكو»، بهدف تعزيز الوعي العالمي بدور المتاحف والثقافة والتراث في المجتمعات، وتوحيد الجهود الإبداعية للمؤسسات المتحفية حول العالم.
ويعدُّ هذا اليوم مناسبة سنوية لإلقاء الضوء على أهمية المتاحف كمنصات ثقافية فاعلة، تساهم في دعم التنمية المستدامة، وتعزيز جودة الحياة، إضافةً إلى دورها المحوري في التبادل الثقافي، وتكريس قيم التفاهم المتبادل والتعاون والسلام بين الشعوب.
وبخصوص الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف لهذا العام، الذي يحمل شعار «المتاحف توحّد عالمًا منقسمًا»، كشف السيد محمد سعد الرميحي، الرئيس التنفيذي لمتاحف قطر ورئيس المنظمة الإقليمية العربية للمجلس الدولي للمتاحف (الأيكوم العربي)، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية «قنا»، أنَّ متاحف قطر، أعدت برنامجًا واسع النطاق من الأنشطة التعليمية والتجارب التفاعلية والفعاليات الثقافية عبر شبكة مؤسساتها، حيث يتزامن هذا اليوم، مع الذكرى الخمسين لتأسيس متحف قطر الوطني، في محطة بارزة تدعو إلى التأمل في المسيرة الثقافية الاستثنائية للدولة.
وأوضحَ أنَّ هذه الفعاليات تقام ضمن السياق الأوسع لحملة «أمة التطور»، التي تحتفي بالرحلة الثقافية لدولة قطر خلال الخمسين عامًا الماضية منذ تأسيس المتحف الوطني لقطر، وتسلّط الضوء على أبرز المحطات التي شكّلت هُوية الدولة الثقافية.
وتحت إشراف مبادرة قطر تُبدِع، تحتفي الحملة بالماضي الثقافي وتستشرف المستقبل، ليشكّل اليوم العالمي للمتاحف 2026 لحظة للاحتفاء بما تم بناؤه والتطلع إلى ما هو قادم، داعيًا الجمهور إلى متابعة مِنصّات متاحف قطر للاطلاع على آخر التحديثات والفعاليات المرتبطة بهذه المناسبة. وحول دور المتاحف في قطر في تقديم صورة عن انفتاح الدولة على محيطها الجغرافي والبشري، أشارَ الرئيسُ التنفيذي لمتاحف قطر، إلى أنَّ المتاحف في قطر، تقوم بدور يتجاوز الإطار التقليدي المُتمثل في حفظ وعرض المقتنيات، لتتحول إلى مِنصات ثقافية ومعرفية ديناميكية تعكس طبيعة المجتمع القطري بوصفه مجتمعًا منفتحًا ومتفاعلًا مع محيطه الإقليمي والدولي، حيث تقوم السردية التي تقدمها متاحف قطر على الربط بين المحلي والعالمي، إذ تُعرض التجرِبة القطرية ضمن سياق أوسع من التفاعلات الحضارية والإنسانية التي شكّلت تاريخَ المِنطقة وأسهمت في تطورها الثقافي عبر العصور.
ومثّلَ لذلك بما يقدّمه متحف قطر الوطني من قصة نشأة المجتمع القطري وتطوره من خلال علاقة الإنسان بالبيئة الصحراوية والبحرية، وما ارتبط بذلك من أنماط معيشية وتجارية وثقافية عكست روح الانفتاح والتبادل مع الشعوب الأخرى.
وفي المُقابل، يبرز متحف الفن الإسلامي الامتداد الحضاري الواسع للعالم الإسلامي، ويضع قطر ضمن شبكة ثقافية ممتدة من الأندلس إلى آسيا، بما يعكسُ مساهمةَ الحضارة الإسلامية في بناء المعرفة والفنون والعلوم الإنسانية.
وأضافَ: لا يقتصر هذا الدور على المتاحف داخل الدولة فحسب، بل يمتدُّ إلى الحضور الثقافي الدولي لمتاحف قطر، من خلال مشاركاتها الخارجية ومعارضها وشراكاتها العالمية التي تعزّزُ مكانة قطر على خريطة الثقافة الدولية، وتُعد مشاركة دولة قطر في بينالي البندقية، أحد أهم المحافل الفنية والمعمارية العالمية، مثالًا بارزًا على هذا التوجه؛ حيث تسهم هذه المشاركات في تقديم الرواية الثقافية القطرية والعربية إلى جمهور عالمي، وفتح مساحات للحوار حول قضايا الفن والهُوية والاستدامة والتبادل الحضاري.
وتابعَ: تعملُ متاحف قطر من خلال معارضها الدولية وبرامجها الثقافية ومبادراتها مثل «أعوام الثقافة» على بناء جسور تواصل بين الشعوب، وتعزيز التفاهم المتبادل عبر الثقافة والفنون، ومن هذا المنطلق، أصبحت المتاحفُ أداةً أساسية من أدوات الدبلوماسية الثقافية، تسهم في ترسيخ صورة قطر كدولة تستثمر في الثقافة بوصفها قوة ناعمة ومحركًا للحوار والتقارب الإنساني، إلى جانب دورها في دعم الاقتصاد الإبداعي وتعزيز مكانة الدوحة كمركز عالمي للفنون والثقافة.
وبخصوص تنوع المتاحف في قطر، وانعكاس ذلك على تنوع المخزون الأثري والتراثي للدولة، أوضحَ السيدُ محمد سعد الرميحي، الرئيس التنفيذي لمتاحف قطر ورئيس المنظمة الإقليمية العربية للمجلس الدولي للمتاحف (الأيكوم العربي)، أن تنوُّع المتاحف في قطر، يعد انعكاسًا مباشرًا لتعدد طبقات الهُوية الثقافية للدولة، إذ لا يقتصر المخزون التراثي القطري على جانب واحد، بل يشمل عناصر بحرية وصحراوية وعمرانية وأثرية، إلى جانب الفنون التقليدية والمعاصرة، لافتًا إلى أنَّ هذا التنوع يتجسد في طبيعة المؤسسات التابعة لمتاحف قطر؛ فهناك متحف مخصص للفن الإسلامي يعرض تراثًا عالميًا، وآخر للتاريخ الوطني يركز على السردية المحلية، إضافة إلى مؤسسات تُعنى بالفن العربي الحديث والمعاصر، والتصميم، والرياضة، وغيرها.
كما تعكس المواقع الأثرية، مثل موقع الزبارة الأثري، عمق التاريخ الاقتصادي والتجاري للمنطقة، وتُبرز دور قطر كمركز تفاعل حضاري في الخليج، مؤكدًا في الوقت ذاته، أنَّ هذا التنوع لا يُعرض بشكل منفصل، بل ضمن رؤية متكاملة تربط الماضي بالحاضر، وتُبرز استمرارية الثقافة القطرية وتطورها. فالمتاحف لا تكتفي بحفظ التراث، بل تعيد تفسيره وتقديمه للأجيال الجديدة بأساليب معاصرة.
وأثناء حديثه عن النهضة المتحفية في منطقة الخليج خلال العشرين عامًا الأخيرة، وإلى ماذا يعزى هذا التطور، قال رئيس (الأيكوم العربي): إنَّ النهضة المتحفية في منطقة الخليج خلال العقدين الأخيرين، تُمثل تحولًا استراتيجيًا في دور الثقافة ضمن خطط التنمية الوطنية، إذ انتقلت المتاحف من كونها مشاريع رمزية إلى مؤسسات متكاملة تساهم في بناء الاقتصاد الإبداعي، وتعزيز الهُوية الوطنية، ودعم السياحة الثقافية، حيث يرتبط هذا التحول بعدة عوامل، من أبرزها وجود رؤية قيادية واضحة تؤمن بأهمية الثقافة، والاستثمار في البنية التحتية المتحفية، واستقطاب الكفاءات العالمية، إضافةً إلى الرغبة في تقديم سرديات محلية تعكس تاريخ المنطقة من منظورها الخاص.
وأضافَ: «في قطر، يأتي هذا ضمن إطار رؤية شاملة بدأت مع تأسيس متاحف قطر، وتطورت لتشمل شبكة متكاملة من المتاحف والمراكز الثقافية والمشاريع المستقبلية، ما يعكس التزامًا طويل الأمد ببناء قطاع ثقافي مستدام ومؤثر». وبصفته رئيسًا للمنظمة الإقليمية العربية للمجلس الدولي للمتاحف «الأيكوم العربي»، تحدث محمد سعد الرميحي، عن الإسهام الذي يمكن للمتاحف العربية أن تقوم به في تقريب الشعوب العربية وإبراز تنوع تراثها، مشيرًا إلى أنَّ المتاحف العربية تمتلك إمكانات كبيرة لتكون منصات جامعة تعكس وحدة الثقافة العربية ضمن إطارها المتنوع والغني، ليس فقط من خلال حفظ التراث وعرضه، بل عبر إعادة تقديمه بوصفه مساحة حية للحوار والتفاعل وصناعة المستقبل الثقافي للمنطقة، فبدلًا من التركيز على السرديات المنفصلة أو الحدود الجغرافية الضيقة، يمكن للمتاحف العربية أن تبرز الروابط الحضارية المشتركة التي تجمع المجتمعات العربية، مثل اللغة، والتاريخ، والفنون، والحِرف التقليدية، وأنماط الحياة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خصوصية كل مجتمع وتجربته المحلية الفريدة.
وأكَّدَ السيدُ محمد سعد الرميحي رئيس الأيكوم العربي أن المبادرات الثقافية الكبرى في المنطقة، تُعدّ نموذجًا عمليًا لهذا التوجه التكاملي، حيث «نشهد تناميًا لافتًا في الفعاليات والمنصات التي تعزز حضور الثقافة العربية على المستوى الدولي.
وأضافَ: «بصفتي رئيس المنظمة الإقليمية العربية للمجلس الدولي للمتاحف (الأيكوم العربي)، أرى أنَّ هذا الزخم يعكس انتقالًا نوعيًا في العمل الثقافي العربي نحو مزيدٍ من التكامل والتأثير. ففي قطر، على سبيل المثال، برزت مبادرةُ «قطر تُبدع» كمِنصّة وطنية جامعة تربطُ مختلِف المؤسسات والفعاليات الثقافية والإبداعية تحت مظلة واحدة، وتسهمُ في تقديم الدوحة كمركز عالمي للفنون والثقافة والحوار الحضاري. كما تمثّلُ «دوحة التصميم» نموذجًا متقدمًا لدعم المُصممين والمُبدعين من المِنطقة العربيَّة ومِنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عبر بناء شبكات تعاون وفرص إنتاج وتبادل معرفي تعكس تطور الصناعات الإبداعية العربية، لافتًا إلى أنَّ المبادرات الثقافية الكبرى في المنطقة، أصبحت نموذجًا عمليًا لهذا التوجه التكاملي، حيث نشهد تناميًا لافتًا في الفعاليات والمنصات التي تعزز حضور الثقافة العربية على المُستوى الدولي».
وتابعَ: تعكسُ مشاركةُ المؤسسات الثقافية العربية في المحافل الدولية الكُبرى، مثل بينالي الفنون الإسلامية في جدة، وبينالي الدرعية، وأسبوع الفن في المنطقة، وأسبوع التصميم في دبي وفعاليات «آرت دبي»، تحولًا مهمًا في طريقة تقديم الثقافة العربية للعالم؛ إذ لم تعد المشاركات تقتصر على عرض التراث بوصفه ماضيًا ثابتًا، بل أصبحت تقدم المِنطقة باعتبارها مساحةَ إنتاج معاصر للأفكار والفنون والعمارة والتصميم.
وأوضحَ أنَّ متاحف قطر تقوم بدور محوري في هذا المشهد، من خلال بناء شراكات ثقافية إقليمية ودولية، وتنظيم معارض ومبادرات تجمع فنانين وباحثين ومؤسسات من مختلف الدول العربية، بما يعززُ تبادُل الخبرات وإنتاج خطاب ثقافي عربي معاصر أكثر انفتاحًا وتنوعًا، كما يسهم التعاون بين المتاحف العربية، عبر تبادل المعارض والمقتنيات والبرامج البحثية والتعليمية، في ترسيخ مفهوم الثقافة العربية بوصفها فضاءً مشتركًا متعدد الأصوات والتجارب.
وبخصوص إسهام المعارض المتحفية في التقريب بين الشعوب وإبراز البعد الإنساني للتراث، قالَ رئيسُ المنظمة الإقليمية العربية للمجلس الدولي للمتاحف: إنَّ قوة المعارض المتحفية تكمن في قدرتها على تحويل التاريخ إلى تجربة إنسانية ملموسة.. فعندما تُعرض القطع ضمن سياق قصصي يركز على حياة الناس وتجاربهم اليومية، يصبح التراث وسيلة لفهم الآخر، وليس مجرد معرفة عنه.
كما أنَّ اعتماد السرد المتعدد الوسائط والدمج بين القطع الأصلية والتقنيات التفاعلية في المعارض، يتيح للزائر مساحةً للتفاعل مع المحتوى بشكل أعمق، مما يعزز الشعور بالتقارب والتعاطف، فيما تُبرز المعارض العابرة للثقافات أوجه التشابه بين الشعوبِ، إلى جانبِ اختلافاتِها، وهو ما يعزّزُ الحوارَ الثقافيَّ.
وعن رأيه في المتاحف الموسوعيَّة مثل اللوفر والمتحف البريطاني التي تعرض تراثًا يخص بلدانًا أخرى، قال الرميحي: «إنَّ المتاحف الموسوعية تمثل نموذجًا مهمًا في عرض التراث الإنساني على نطاق واسع، وقد لعبت دورًا كبيرًا في إتاحة المعرفة الثقافيَّة لجمهور عالمي. بيد أنها تواجه اليوم تحديات تتعلق بأصول المقتنيات، وطرق عرضها، وسياقاتها الثقافية.
لذلك، أصبح من الضروري تطوير هذا النموذج ليقوم على الشراكة والتعاون مع المجتمعات الأصلية، من خلال برامج بحثية مشتركة، وإعارات متبادلة، ومبادرات رقمية، تضمن تقديم سرديات أكثر توازنًا وشمولًا. وفي النهاية، يظلُّ الهدفُ المشتركُ هو تعزيز الوصول إلى الثقافة، مع احترام خصوصيَّة كل مجتمع وحقه في رواية تاريخه بنفسه».
أخبار متعلقة :