تعادل لصالح نتنياهو وأربعة سيناريوهات انتخابية

القدس العربي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
حجم الخط

دلت استطلاعات الرأي العام، التي نُشرت تباعا في الأيام الأخيرة، على تعادل بين معسكر نتنياهو الحاكم، ومعسكر المعارضة الساعي لاستبداله. جاء ذلك بعد فترة طويلة من تفوّق المعارضة، التي تطلق على نفسها «معسكر التغيير، بشكل حاسم؛ بداية بقيادة غانتس وبعدها بزعامة بينيت وأخيرا برئاسة آيزنكوت. هذا التعادل لصالح نتنياهو، لأنّه يأتي قريبا من الانتخابات وباتجاه زيادة قوّة معسكره وتراجع المعسكر المناهض له. ليست نقطة التعادل هي الحاسمة هنا، الاتجاه هو المهم، فمعسكر نتنياهو في صعود من تحت إلى أعلى، والمعسكر المنافس في تقهقر من أعلى إلى أسفل، وإذا استمرت الأمور بهذا المنحى فهناك احتمال أن يفوز نتنياهو بالانتخابات، على عكس الاعتقاد الذي ساد الرأي العام في إسرائيل في الأشهر الماضية، بأن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستخلعه من منصبه.
هذا التعادل الإيجابي لصالح نتنياهو والسلبي لمعارضيه، قابل من حيث المبدأ للتغيّر نحو أحد من اتجاهين متعاكسين: استمرار مسار زيادة قوة معسكر نتنياهو حتى الحسم في الانتخابات، أو التواء إلى ما كان من تفوّق واضح للمعارضة يمكّنها من تشكيل حكومة بديلة. هناك بالطبع احتمال ثالث هو «تجمّد» التعادل ونتائج غير حاسمة بعد انتهاء عملية التصويت.

يبدو أن المعركة الانتخابية في إسرائيل ستسخن أكثر فأكثر، فالصراع ليس على تشكيل الحكومة المقبلة فحسب، بل أساسا حول ماهية النظام وطبيعة الدولة الصهيونية في المرحلة المقبلة

مجموعة من العوامل أدّت إلى هذا التراجع في قوة المعارضة، مقابل زيادة في حجم معسكر نتنياهو. في مقدمة هذه العوامل، نجاح ثلاثة أحزاب يمينية صغيرة في الثبات في تجاوز عتبة الحسم في الاستطلاعات الأخيرة، بعد أن كانت تتأرجح تحتها وفوقها. ليس من المؤكّد ان تصمد هذه الأحزاب فوق العتبة العالية، التي قد تصل إلى 170 ألف صوت، إذا ارتفعت نسبة التصويت ومعها عتبة الحسم – كما هو متوقّع.
قد يحسم مصير هذه الأحزاب، الانتخابات الإسرائيلية، فإذا فشل واحد أو اثنان منها في عبور نسبة الحسم في الانتخابات الفعلية، فبالتأكيد لن يستطيع نتنياهو الحصول على أغلبية برلمانية. أوّل هذه الأحزاب هو «الصهيونية الدينية» برئاسة وزير المالية اليميني المتطرّف بتسلئيل سموتريش، الذي ثبتته الاستطلاعات فوق نسبة الحسم، بعد تحالفه مع الفاشي المهووس موشيه فايغلين. والحزب الثاني هو «عمخا يسرائيل» الذي تأسس قبل أقل من شهر بقيادة ضابط الاحتياط اليميني المتطرّف، عوفير فينتر، الذي أعلن أنّه سيشارك في حكومة نتنياهو. والثالث هو حزب «الاحتياطيون» بقيادة هندل وزليخة، ويدّعي أنّه «على الحياد» بين المعسكرين، لكنّه قابل للانضمام إلى نتنياهو بظروف وشروط معيّنه. احتمال خسارة مئات آلاف الأصوات بسبب عتبة الحسم، وارد وبقوة، وهناك رأي «متفائل» عند بعض قيادات «معسكر التغيير» يقول إنّه من المستحيل أن تنجح الأحزاب الثلاثة، لأنها تتنافس على القاعدة الانتخابية ذاتها، وإذا قوي أحدها يسقط آخر. ومن أسباب تراجع المعارضة هو الخلافات والتراشق بالتهم بين قياداتها، حزب يشار بقيادة آيزنكوت هو الأكبر في الاستطلاعات، لكن لا أحد من زعماء المعارضة يسلّم بأنّه المرشح المتفق عليه لرئاسة الوزراء. وظهر في الأسبوعين الأخيرين أن الطاقة المبذولة في الصراعات الداخلية والتنافس على الفوز بالأصوات في صفوف «معسكر التغيير»، تفوق الجهود المبذولة ضد نتنياهو وحكومته والأحزاب التي تدور في فلكه وفلكها.

أربعة سيناريوهات

من الناحية السياسية، وبكل ما يخص القضية الفلسطينية والحروب المفتوحة، فإن الفروقات بين نتنياهو وآيزنكوت وبينيت وليبرمان ليست كبيرة. التباين بين المعارضة ونتنياهو يتسع ويبدو أكثر وضوحا في بعض المسائل، عند مقارنة شكل الائتلاف، إذ هناك فرق، من الناحية العملية بين حكومة تعتمد على اليمين الفاشي، أمثال بن غفير وسموتريتش وفينتر، وأخرى تقوم بدعم من اليسار الصهيوني (على علّاته المعروفة طبعا) المكوّن من تحالف ميرتس وحزب العمل. ولعل الاختلاف الأهم في المرحلة المقبلة، هو بين حكومة تسعى إلى الضم والترحيل وتقويض إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية، ومحاصرة السلطة الفلسطينية اقتصاديا وسياسيا، وحكومة تتبع سياسة إدارة الاحتلال. النقاش هنا على شكل الاحتلال، وليس حول شكل الحل. ومع أنّ المعارضة يمينية وداعمة للحروب، الّا أن هناك أهمية معيّنة لمسألة بقاء أو رحيل نتنياهو عن الحكم بعد كل ما ارتكبته حكومته من إبادة وتدمير وترحيل. عودة نتنياهو تعني مباشرة فتح الشهية على المزيد من الجرائم الفظيعة، على اعتبار أنها «تحافظ» على بقاء الحكومة التي ترتكبها. وفي كل الأحوال سيكون لشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة تبعات على أحوال الشعب الفلسطيني وظروفه المعيشية ومعاناته اليومية وعلى مستقبل قضيته، لا أقل من تأثيرها على حياة الإسرائيليين أنفسهم.
لن تكون للانتخابات الإسرائيلية نتائج «جيّدة» ولو بالحد الأدنى، فهي ستتراوح بين السيّئ والسيّئ جدّا والأكثر سوءًا والأسوأ من الأسوأ. بالمجمل هناك أربعة سيناريوهات محتملة للمحصّلة النهائية لمصير الحكومة الإسرائيلية، بعد عملية الاقتراع في السابع والعشرين من أكتوبرالمقبل، وهي:
حكومة بديلة: هناك احتمال أن تتشكل بعد الانتخابات حكومة بديلة تقوم على تحالف القوى المناهضة لنتنياهو وهي، يشار برئاسة آيزنكوت، ومعا برئاسة بينيت، وإسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان، والديمقراطيون بقيادة غولان. إمكانية أن تكون لهذا التحالف أغلبية برلمانية مطلقة، تبدو حاليا ضعيفة في ظل التعادل، الذي تظهره الاستطلاعات. ومع ذلك هناك تفرعات عديدة لهذا السيناريو، منها انضمام القائمة الموحّدة بقيادة عبّاس وسيجالوفيتش إلى الائتلاف لضمان أغلبية 61 عضوا. لكن قد لا تكفي أصوات الموحدة لتأمين مثل هذه الأغلبية، وهناك أيضا معارضة للتحالف معها عند قيادات «معسكر التغيير» المناهض لنتنياهو، ما قد يمنع إقامة حكومة بدعم من حزب عربي. تفرّع آخر لهذا السيناريو هو ما أعلنه آيزنكوت عن استعداده لإقامة حكومة أقلية، يجري تمريرها في الكنيست بأغلبية عادية، بامتناع الأحزاب العربية. هناك أيضا إمكانية لانضمام إحدى الكتل من خارج معسكر التغيير، وتحديدا قائمة هندل-زليخا في حال عبورها نسبة الحسم، وحتى من الممكن أن يقبل فينتر بالمشاركة في حكومة برئاسة ليبرمان، وهذا ما يخشاه نتنياهو، الذي لا يثق بإخلاص فينتر له. هذا السيناريو ممكن بنسبة 25%.
حكومة نتنياهو: قبل أسابيع قليلة استبعد معظم المحللين احتمال عود الائتلاف الحالي إلى الحكم. ولكن صعود قوة اليمين في الاستطلاعات، أعادت طرح هذه الإمكانية من جديد. وحتى يستعيد نتنياهو أغلبية برلمانية مطلقة تمكّنه من تشكيل حكومة يمين «بالكامل»، فهو بحاجة إلى عدّة عوامل تمكين: رفع نسبة التصويت في معسكر اليمين، نجاح القوائم اليمينية الصغيرة الثلاث، وعدم تبذير أصوات تحت عتبة الحسم، ونسبة تصويت متدنية عند معسكر التغيير والقوائم العربية، وسحب المزيد من الأصوات اليمينية التي تُعسكر حاليا عند آيزنكوت وبينيت وليبرمان. من الصعب حدوث كل هذه الأمور في آن واحد، ولكن احتمال تواصل صعود معسكر نتنياهو حتى يوم الانتخابات وارد ويجب أن يؤخذ في الحسبان. هذا الاحتمال، كما هي الأمور اليوم، حوالي 15%.
حكومة وحدة: رغم قسم قادة المعارضة بأغلظ الأيمان، بعدم المشاركة في حكومة مع بنيامين نتنياهو، فإن احتمال إقامة حكومة وحدة قد تصبح السيناريو الأقوى في ظل التعادل في الاستطلاعات، الذي قد يبقى تعادلا في صناديق الاقتراع أيضا، فحتى لو كانت نتيجة الانتخابات أن معسكر نتنياهو في حالة أقلية برلمانية، فإن فشل أحزاب «معسكر التغيير» في الاتفاق على «قبول» دعم الأحزاب العربية بهذه الطريقة، أو تلك، سيعيد نتنياهو إلى مركز الحلبة السياسية كلاعب له دور في إقامة الحكومة الجديدة، وقد يرافق ذلك اتفاق ما على انهاء محكمة نتنياهو، إمّا بعفو رئاسي، أو بصفقة قضائية. تبدو حكومة الوحدة، حاليا، بأنها السيناريو الأقوى بنسبة 40%.
انتخابات جديدة: في حال فشل جميع المحاولات لإقامة حكومة جديدة بعد الانتخابات، لن يكون مفر من تعيين موعد لانتخابات جديدة. في هذه الحال يبقى نتنياهو وتبقى حكومته لأشهر إضافية. لقد أعلن رئيس دولة إسرائيل يتسحاق هرتسوغ، ومعظم قادة الأحزاب، أنّهم سيعملون على منع انتخابات جديدة، ومع ذلك قد تصل المفاوضات الإئتلافية إلى باب موصود، ولا يكون بالإمكان سوى الذهاب الى صندوق الاقتراع مرّة أخرى كما حدث سابقا. هذا احتمال وارد بنسبة 20% – كما تبدو الأمور اليوم.
في كل الأحوال يبدو أن المعركة الانتخابية في إسرائيل ستسخن أكثر فأكثر، فالصراع ليس على تشكيل الحكومة المقبلة فحسب، بل أساسا حول ماهية النظام وطبيعة الدولة الصهيونية في المرحلة المقبلة.

كاتب وباحث فلسطيني

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق