الأمم المتحدة- «القدس العربي»: حذّر مسؤولون، الأربعاء، من التداعيات الإنسانية والنفسية للحرب الإسرائيلية على الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، ودعوا إلى تحرك دولي لحمايتهم ومحاسبة إسرائيل على الانتهاكات بحقهم، وذلك خلال فعالية رفيعة المستوى عقدت على هامش أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وأكد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ضرورة محاسبة الحكومة الإسرائيلية على أفعالها «غير القانونية وغير الأخلاقية وغير الإنسانية»، محذراً من أن مستقبل الأطفال الفلسطينيين لا يمكن أن يبقى رهينة للسياسات الإسرائيلية.
بدوره، قال المفوض العام بالإنابة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، كريستيان ساوندرز، إن أطفال غزة سيحملون لسنوات طويلة الندوب الجسدية والنفسية التي خلفتها الحرب.
وجاءت التصريحات خلال فعالية بعنوان «دعوة إلى العمل من أجل الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة»، نظمتها الأردن وبلجيكا والاتحاد الأوروبي، بمشاركة مسؤولين دوليين وممثلين عن الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية. وأدارت اللقاء عدلة مسعود، واستهلته الطفلة لونا بكلمة تحدثت فيها عن واقع الأطفال الفلسطينيين.
وقال الصفدي إن عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا ارتفع من نحو 63 ألفاً قبل عام إلى 73 ألفاً، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، وفق الأرقام التي أوردها. وأضاف أن الاجتماع يمثل جزءاً من الجهود المشتركة لإبقاء الوعي بمعاناة الأطفال الفلسطينيين حاضراً، مذكراً بأن المشاركين اجتمعوا قبل عام بينما كانت غزة تشهد ما وصفه بـ«الإبادة الجماعية».
وأشار إلى أن أطفال غزة عانوا الحرمان والجوع والبرد، في حين يتعرض الأطفال الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة لانتهاكات قال إنها ترهن حياتهم وأحلامهم، إلى جانب احتجاز أطفال في السجون الإسرائيلية من دون محاكمات أو ضمانات قانونية واجبة.
وأضاف: «المجزرة توقفت، لكن القتل المستهدف لم يتوقف، والتجويع لم يتوقف، وحرمان الأطفال الفلسطينيين من الذهاب إلى المدرسة أو إلى أماكن اللعب والاستمتاع بألعابهم لم يتوقف». واعتبر أن استمرار هذه الأوضاع يعود إلى عدم اتخاذ المجتمع الدولي إجراءات فعلية، وعدم استخدام الأدوات التي يتيحها القانون الدولي للدفاع عن القيم الإنسانية المشتركة ومواجهة الظلم.
وقال الوزير الأردني إن صور معاناة الأطفال الفلسطينيين أصبحت حاضرة يومياً على شاشات التلفزيون والهواتف المحمولة، مؤكداً أن العالم لا ينبغي أن يواصل مشاهدة ما وصفه بـ«حكايات البؤس» من دون التحرك لإنهائها.
وحذر من الظروف الإنسانية التي يعيشها نحو مليوني فلسطيني في غزة، قائلاً إنهم محاصرون في مساحة يسودها اليأس وانعدام الأمل، بينما تعجز أمهات عن إطعام أطفالهن ويواجه الصغار ليالي الشتاء الباردة من دون مأوى أو حماية كافية. وتساءل عن الحياة التي تنتظر سكان القطاع مع بدء هطول الأمطار واشتداد الرياح مجدداً.
وطالب الصفدي بتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحقيق الاستقرار في غزة، التي جرى اعتمادها العام الماضي، مؤكداً أن مستقبل الأطفال الفلسطينيين لا يمكن أن يستمر رهينة السياسات «المتطرفة والعنصرية والتوسعية» للحكومة الإسرائيلية.
ودعا نائب رئيس الوزراء الأردني إلى السماح بإدخال المساعدات الإنسانية المتكدسة في مستودعات بالعاصمة الأردنية عمّان، محذراً من انتهاء صلاحية بعضها في وقت يحتاج فيه أطفال غزة إلى الغذاء بصورة عاجلة. كما قال إن المنظمات التابعة للأمم المتحدة تحاول مراراً أداء مهامها الإنسانية، لكنها تواجه قيوداً وعراقيل تحول دون وصولها إلى المحتاجين، فضلاً عن تعرض العاملين فيها لمخاطر تهدد حياتهم.
وفي ما يتعلق بالضفة الغربية، قال الصفدي إن الأوضاع تتدهور بوتيرة لم يدرك العالم خطورتها بعد، مشيراً إلى استمرار التوسع الاستيطاني وتسجيل أكثر من ست هجمات للمستوطنين يومياً، وفق الأرقام التي عرضها. وأضاف أن الأطفال الذين يُحرمون التعليم والغذاء والأمل لا يستطيعون بناء مستقبل طبيعي.
واعتبر أن القانون الدولي «ينهار في غزة والضفة الغربية»، رغم معرفة المجتمع الدولي بحجم الانتهاكات وأسبابها. وقال إن الأدوات القانونية والدبلوماسية اللازمة للتحرك متوافرة، وإن المطلوب هو استخدامها لوقف الانتهاكات وتهيئة مستقبل يستطيع فيه الأطفال الفلسطينيون والإسرائيليون العيش بسلام.
وأكد أن الحكومة الإسرائيلية يجب أن تواجه عواقب سياساتها، متهماً إياها بإبقاء الشرق الأوسط رهينة للصراع وحرمان الأطفال الفلسطينيين، ومن بينهم الطفلة التي تحدثت خلال الاجتماع، من العيش مثل بقية أطفال العالم.
وقال الصفدي إن وزراء إسرائيليين يواصلون استخدام خطاب ينزع الإنسانية عن الفلسطينيين ويدعو إلى تهجيرهم وينكر حقهم في الحياة. وشدد على أن الأردن سيواصل العمل مع الدول والمنظمات الدولية لإيصال المساعدات إلى الأطفال الفلسطينيين والدفع نحو سلام عادل ودائم، لكنه أكد أن هذه الجهود لن تكون كافية ما لم يتخذ المجتمع الدولي موقفاً جماعياً واضحاً ويقول «كفى».
من جانبه، قال المفوض العام بالإنابة لـ«الأونروا» كريستيان ساوندرز إن الدعوة إلى العمل تهدف في جوهرها إلى حماية مستقبل الأطفال الفلسطينيين، محذراً من أن أطفال غزة سيحملون الآثار الجسدية والنفسية للحرب لسنوات مقبلة.
وأضاف أن الأطفال فقدوا وقتاً ثميناً من تعليمهم لا يمكن تعويضه ببساطة، فيما لا يزال كثيرون يعيشون من دون أمن يوفره المنزل، أو وصول منتظم إلى الغذاء الكافي والرعاية الطبية التي يحتاجون إليها.
وأشار ساوندرز إلى أن أطفال الضفة الغربية بدورهم يشاهدون العنف ويعيشون حالة من انعدام الأمن، بينما يتعرض تعليمهم للانقطاع المتكرر وتعيش عائلات كثيرة تحت وطأة الخوف من النزوح وفقدان منازلها.
وأكد أن «الأونروا» وشركاءها يواصلون العمل باعتبارهم شريان حياة للأطفال وعائلاتهم في مختلف أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة. وقال إن العام الدراسي في غزة بدأ قبل أيام، وإن الوكالة تساعد أكثر من 300 ألف طفل على مواصلة تعليمهم من خلال مراكز تعليم مؤقتة وبرامج عبر الإنترنت.
واستدرك بأن التعليم عبر الإنترنت لا يشكل بديلاً من الفصول الدراسية، ولا يمكن أن يكون جواباً عن الاحتياجات التعليمية لجيل كامل. وأضاف أن الهدف المشترك يجب أن يكون استعادة بيئات تعليمية آمنة ومستقرة تحفظ كرامة كل طفل.
وأعلن ساوندرز أن «الأونروا» قدمت دعماً نفسياً واجتماعياً لأكثر من نصف مليون طفل وشاب ومقدم رعاية، كما تواصل مساعدة العائلات من خلال توفير الرعاية الصحية الأولية والمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والمأوى، وهي احتياجات أساسية قال إنه لا ينبغي لأي طفل أن يعيش من دونها.
وفي الضفة الغربية، أوضح أن أكثر من 48 ألف طفل بدأوا عاماً دراسياً جديداً في مدارس «الأونروا»، فيما يجري استيعاب الأطفال النازحين من المخيمات المغلقة في شمال الضفة في مدارس أخرى. وأضاف أن الوكالة تدعم العائلات المتضررة من خلال المساعدات النقدية وبرامج سبل العيش وغيرها من الخدمات الأساسية.
وشدد ساوندرز على ضرورة إبقاء الأطفال في صلب الجهود الجماعية المتعلقة بالأرض الفلسطينية المحتلة، قائلاً إن حقوقهم وكرامتهم ومستقبلهم ليست قضايا يمكن تأجيلها إلى الغد، وإنما مسؤوليات يتعين تحملها اليوم.
وأكد أن الالتزام وحده لا يكفي ما لم يقترن بالعمل، داعياً إلى ضمان وصول إنساني مستدام وفعلي، وتمكين المنظمات الإنسانية من الوصول إلى المحتاجين بأمان وفاعلية. كما طالب الجهات الأكثر قدرة على التأثير في الأحداث باستخدام نفوذها لدفع عملية سياسية حقيقية نحو مستقبل يستطيع فيه الفلسطينيون والإسرائيليون وشعوب المنطقة العيش جنباً إلى جنب في سلام وأمن وكرامة.
وقال إن مقياس الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي يتمثل في قدرته على منح الأطفال الفلسطينيين أكثر من مجرد التعاطف، وتوفير الفرصة لهم للتعلم والتعافي والنمو وبناء مستقبل لا تحدده الحرب، بل الأمل والسلام.
وأكدت الفعالية ضرورة احترام القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية وضمان وصول المساعدات بأمان ومن دون عوائق. كما شددت على ضرورة محاسبة مرتكبي الانتهاكات، وزيادة الدعم المخصص للأطفال الفلسطينيين وتوسيع قاعدة الجهات المانحة والاستثمار في برامج تعزز قدرتهم على الصمود.







0 تعليق