حدود الاقتباس وتشويه الوعى

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

اللجوء للاقتباس فى أشكال الدراما المختلفة أمر معتاد تكاد تعرفه كل دول العالم، وإن كان هذا بدرجات تعتمد على مدى نشاط حركة الإبداع فى المجتمعات المختلفة، ولقد مضى ذلك الزمان الذى كان فيه صانعو الدراما يتبارون فى تكرار أعمال أدبية معينة مكررة، وفى السينما الأمريكية والغربية عموما كانت هناك أعمال مقتبسة من ألف ليلة وليلة، ومن أعمال تراثية أخرى، خاصة الإغريقية والمصرية القديمة بقدر هائل من التشويه لهذه الأخيرة، ومع ذلك بعض الأعمال الروائية الشهيرة وخاصة بعض أعمال شكسبيروغيره، قد تم إعادة إنتاجها مرات عديدة حول العالم وليس فقط الأنجلوسكسونى.

ولعلنا نذكر فى مصر بعض هذه الأعمال التى تم تكرارها بشكل ممل وممجوج كغادة الكاميليا، وإن كان بعضها نجح باستخدام مفهوم بسيط وسحرى اسمه التمصير، من ذلك ترويض الشرسة لشكسبير أو أمير الانتقام المقتبسة من ألكسندر دوما، وكان هذا ببساطة لأن هذه الأعمال الأدبية كانت من النوع الخالد الذى خاطب الطبيعة البشرية أو ظواهر تاريخية، وعندما نقول الطبيعة البشرية نتحدث بلغة ذلك الماضى، فبالقطع الرؤية الضمنية خلف ترويض الشرسة ليست تقدمية، ولم تحاول المسرحية الأصلية أن تخاطب إنسانية بطلة الرواية وسبب مواقفها وموضوعية هذه المواقف، فى عالم يصمم فيه الرجل على السيطرة والهيمنة معتمدا على قوته وتقاليد مجتمعية بالية.

والملاحظ أن أغلب الأعمال الدرامية المصرية المتميزة كانت بالطبع لأعمال أصيلة مصرية، أى من نصوص أدبية شهيرة أو حتى معالجات درامية أصيلة، لأنه فى النهاية لا ينجح إلا ما هو أصيل وابن البيئة المصرية فى حالة مصر، وفى حالة أى مجتمع. ولكن هذا لم يمنع تاريخيا من عشرات الأعمال المقتبسة صراحة أو المسروقة من الخارج، ويتم عرضها وأغلبها ينساها الناس، أو يشاهدونها من قبيل قضاء الوقت أو خداع الذات، وكان يخفف الأمر أن نسبة مهمة من المعالجات الدرامية من صناعة مصرية.

ولكن ما حدث فى العقود الأخيرة، وبشكل خاص فى السينما المصرية، أن كثيرا من الاقتباس غير القانونى قد زاد، ولم يعد التمصير محترفا، ففى الواقع التمصير مستحيل فى بعض هذه الأحوال، ولقد دفعنى لهذه الكلمات، ما شاهدت جزءا منه منذ عدة أيام من عمل سينمائى مصرى تم إنتاجه منذ أكثر قليلا من عشر سنوات، يخترع أجواء من أفلام عنف أمريكية، قد تكون صحيحة هناك، فحتى هذه ليس لدى ثقة فيها، وذكرنى هذا بعدد آخر من هذا النوع من الأعمال، وكذا نوعية أخرى تستلهم أجواء ما وراء الطبيعة والخرافة فى السينما الأمريكية، وما لا يفهمه هؤلاء أنه حتى الخرافات وما وراء الطبيعة ترتبط بثقافات الشعوب المختلفة، وتعد مثل الأمثال الشعبية وأنماط معينة من الحكى جزءا من الشخصية القومية للشعوب المختلفة.

ولكى أدلل على هذا، أذكر أنه خلال عملى كسفير بجنوب إفريقيا كنت أقرأ باستمرار ليس فقط فى الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية عن هذه الدولة، ولكن أيضا فى الأدب الجنوب إفريقى، ومن بين ما قرأته مرة كتاب بعنوان قصص أو حواديت من جنوب إفريقيا، وقد تم ترجمته من لغات السكان الأصليين إلى الإنجليزية، وفوجئت بأن هذه القصص ليست أعمال أدبية عادية، وإنما قصص خرافية رواها أجدادهم، وتعلمت عندئذ بوضوح أكبر من دراسات الأنثربولوجيا والاجتماع التى سبق لى القراءة فيها، أن لكل شعب عاداته وخرافاته، وأن الخرافات فى جنوب القارة الإفريقية تختلف عن تلك فى باقى القارة، وبالقطع تختلف عن شمالها وبقية العالم.

ولأنى أعرف أن أنماط الخرافات والأساطير التى كان يعرفها أجدادنا لا يعرف عنها أبناؤنا شيئا لأن أحدا لم يذكرها لهم، مثلما حدث لكثير حتى من أبناء جيلى، فإنه عندما تقلد الدراما المصرية خرافات من أجواء أوروبية قديمة تنشرها الثقافة الأمريكية مع خرافاتها وتخيلات صناع الدراما الحديثة عندها، فالنتيجة أن صناع الدراما لدينا الذين لا يريدون بذل جهد فى التأليف أو البحث فى تراثنا يشكلون وعى أجيال جديدة بهويات مختلفة ومضطربة ولا تمت للتكوين المصرى العربى الإفريقى بأى حال. ويضيفون إلى كل ذلك أيضا اقتباسات أخرى دون الاعتراف بأنها كذلك، وأغلبها لا تضيف سوى تعميق ثقافة العنف أو الاغتراب أو عدم وضوح الهوية.

أما لماذا يفعلون ذلك فلا أفهم بالضبط، وخاصة أن الأعمال الروائية المصرية فى ازدياد، صحيح أن كثيرا منها قد لا يصلح، ولكن حتى هذا قد يكون أفضل من كثير من المعالجات السينمائية المصرية الحالية، وعموما السؤال يظل مفتوحا، لماذا لا توجد أفلام جديدة جيدة ولا كلمات أغان جيدة، وأين ذهب الملحنون العظام الذين عبروا عن الوجدان المصرى والعربى؟، ولماذا تظهر المواهب ولا تجد من يرعاها ويسيطر على الساحة الإبداعية ظواهر غريبة لا تمت للإبداع، لعل الإجابة عند مبدعينا وربما عند علماء الاجتماع والسياسة أو كليهما معا.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    177,543

  • تعافي

    137,294

  • وفيات

    10,298

أخبار ذات صلة

0 تعليق