مبارك السعدانى يكتب: رقص فوق الجليد (قصة قصيرة)

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

- قفى مكانك..لا تتحركى. قالت المراقبة المصاحبة للنزيلة الجديدة، وهى تضع أوراقها أمام موظفة الاستقبال، التي لم تكلف نفسها عناء النظر إليها، واكتفت بمخاطبتها بصوت فاتر من وراء كتاب تقرؤه:

-أنت!

لم تنتبه النزيلة لصوت الموظفة، وانشغلت بالتحديق في غلاف كتابها؛ سطح أسود تطل منه صورة امرأة بملامح غائمة تشبهها، من الأعلى دم أحمر قان يقطر من مدية مشكلا عنوانا بحروف بارزة «أنا القاتلة».

كانت المراقبة تحاصرها بجسمها القوى، دفعتها بكتفها، فتقدمت قليلا إلى الأمام، طرحت الكتاب جانبا، وسحبت بأطراف أصابعها الأوراق الموضوعة أمامها. تفحصتها على مهل، ورفعت بصرها نحو الماثلة بين يديها، تنبهت إلى أن وراء ملامح وجهها الصارم تختفى أنثى جميلة وذكية، أمرتها بصوت غليظ:

- ضعى أمامى كل ما معك.

شرعت في وضع ما بحوزتها وهى تردد بصوت في نبراته قوة:

- ساعة مذهبة هدية من زوجى في عيد زواجنا الرابع، خاتمان ذهبيان أتذكر جيدا اليوم الذي ألبسنيهما، قلادة من الفضة إرث عائلتى سأنقلها بدورى إلى ابنتى، محفظة فيها أوراق وأقلام..وبعض القطع والأوراق النقدية. حين كانت الموظفة تدون معلوماتها، أثار انتباه النزيلة رشاقة القلم بين أناملها كأنه فنان ماهر يؤدى رقصة بديعة فوق صفحة جليد ناصع. أخضعت بعدها لتفتيش دقيق. تحت نظرات يبدو أن ما يجرى مألوف لديها ولا يثيرها. دفعت لها الورقة وهى تردد بفتور كأنها تكلم نفسها:

-تأكدى من صحة المعلومات، ثم وقعى.

تركت النزيلة الورقة في مكانها، وأخذت تقرأ المعلومات بصوت مسموع:

- الاسم: جميلة عمران- السن:49 سنة- المهنة: باحثة في مختبر علمى- الزوج:... بدأ صوتها يتهدج وشفتاها ترتعشان. قربت الموظفة قدمها اليمنى من زر ستضغط عليه إذا ما لزم الأمر. تابعت بصوت خافت:

-الأبناء:.... توقفت تماما عن القراءة، تسمرت في مكانها، وطفق جسدها يرتجف، أمسكت المراقبة يدها المرتخية، مررت إبهامها فوق المداد وبصمت بها على الورقة. أمدوها بلحاف، وبطانية، ووسادة وكسوة من ثوب خشن، وبخطوات عسكرية، انطلقت المراقبة وتبعتها كالمسرنمة... أشارت لها فتوقفت.

فتحت باب الزنزانة رقم 56 أعانتها حتى ارتدت كسوة النزيلات. أحكمت إغلاق الباب. وعادت أدراجها. وضعت ثياب النزيلة أمام موظفة الاستقبال، وقعت أوراق التسليم، وتركتها غارقة في قراءة كتابها. ها أنذى وحدى بين أربعة جدران، دائما يلازمنى هذا الشعور أينما كنت.. بعد مرور لحظات، بدأت الغشاوة تزول عن عينى. تتبدى لى بالتدريج تفاصيل المكان ومكوناته. مساحة ضيقة جدا، حيطان عليها خربشات، وحروف، ونقوش، وفى الأعلى، كوة ضيقة بها قضبان حديدية ينفذ منها الضوء والهواء. على الأرض مرتبة بدون سرير. وفى الركن مرحاض وصنبور ماء. ألقيت بجسدى على المرتبة.

إلى هنا مازلت منتشية بتحكمى في كل الخيوط... كنت جالسة بين أوراقى التي أودعها حلمى الجميل، أحضر زوجى صغيرتى من كليتها. حالة تماه تام كانت تسيطر على. لا أتذكر هل كلمانى.. ما وقر في كيانى الفاقد لكل علاقة بالخارج، هو وجه طفلتى الحزين.. بدأت الأمور تتشابك، أحسست ببعض الخيوط ترتخى وكأنها توشك أن تنفلت من يدى. ابنتى وزوجى..! ابنتى..؟.. فلأبحث عن اتجاه آخر.. هذا خط أحمر لن أتجاوزه. أحس كأنى فقدت البوصلة؛ وهذا ما كنت أخشاه.. كل ما خططت له في البداية صار ضبابيا أمام ناظرى. فكرى يكاد يشل. ماذا عساى أن أفعل الآن؟.. هل أتوقف هنا وأقبر الفكرة إلى الأبد وأعيش بلا حلم؟.. أو أتركها حتى تختمر وأتمثلها ثم أتابع بعدها عملى؟.. أو أتابع عملى مع تعديل المسار استجابة لما تتيحه الأمور المستجدة؟. يجب أن تأخذ الأمور خطا طبيعيا تماما. بدأت التجربة وأنا ملتزمة بقواعد اللعبة. ملاحظاتى كانت منسجمة مع الأحداث.

تجربتى حددت لها الأسباب والنتائج. أعرف بوضوح المسلك الذي على السير فيه للوصول إلى نتائج تتماشى مع منطق الأشياء. كانت الخطة واضحة حتى صرت أرى الوقائع ماثلة أمامى بكل تفاصيلها. لكن خللا ما وقع في مجريات التجربة فتعثرت. بات ما كنت أعتبره في البداية فرضية تنسجم مع منطق الملاحظة، غير ملائم. أنا بطبعى عنيدة. رؤسائى يعرفون عنادى، لذلك كنت محط ثقتهم. لن أخيب ثقتى في نفسى. أنا في مرحلة الملاحظة ووضع الفرضيات. إلى هنا كان كل شىء على ما يرام. ما كنت اقترحته بينى وبين نفسى كنتيجة منطقية بدت لى الآن غير مقبولة، لا تتلاءم والواقع وما تتطلبه الوقائع. كانت موظفة الاستقبال غارقة بين سطور كتابها متابعة باهتمام متزايد الأحداث التي بدأت تتشابك وتتعقد، وصلت إلى مرحلة الذروة.

بالرغم من كونها تعرف نهاية الأحداث لكنها تصر على متابعة التفاصيل والجزئيات. وتتساءل كما تساءل القاضى وقبله المحققون وبعدهم الرأى العام؛ كيف يمكن أن يحدث ذلك بمثل تلك الفظاعة؟!.. كانت قاعة المحكمة مكتظة بالمحامين، ورجال الشرطة، والصحفيين، ورجال القانون. دخل القاضى ومستشاروه وأخذ الجميع مكانه. عم الصمت في القاعة، أمر القاضى بمثول المتهمة أمام عدالة المحكمة. كانت هادئة تمشى بخطى وئيدة مكبلة اليدين، تحيط بها شرطيتان. بعد الإجراءات الروتينية، سأل القاضى المتهمة:

- هل تؤكدين ما ورد؟.

أخبار ذات صلة

0 تعليق