البحث عن الذات على المريخ!

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

تحتاج الظاهرة المُسماة بالحياة، كما نعرفها على الأرض، إلى ثلاثة عوامل لكى تبزغ. مادة عضوية (أساسها الكربون)، ومصدر للطاقة، ومياه. الحياة لا يُمكن أن تظهر سوى مع وجود ماء. وليس أى ماء. فقط الماء فى حالته السائلة هو ما يسمح بتحول «الكيمياء» إلى «أحياء»، أى بتحول المادة العضوية إلى كائن حى. نعرف هذا من التاريخ البعيد لظهور أول صور الحياة على ظهر كوكبنا منذ ما يربو على الثلاثة مليارات عام. انبثقت الحياة فى مبدأها فى أعماق الماء، وظلت مقصورة على الماء لمليارات السنين! معنى ذلك أن وجود الحياة فى أى مكان خارج أرضنا لابد وأن يقترن أيضاً بوجود الماء. حيث نجد الماء، فى حالته السائلة، تكون الحياة ممكنة. ولكن ما فرص وجود الماء فى الكون الفسيح؟

بالمنطق البسيط.. الفرص كبيرة. ظاهرة «الحياة» تقوم على أربعة عناصر: هيدروجين ونيتروجين وكربون وأكسجين. العنصر الأكثر توفراً فى الكون على الإطلاق هو الهيدروجين. العنصر الثالث من حيث توفره هو الأكسجين. اتحاد الهيدروجين والأكسجين يُنتج جزىء الماء كما نعلم. نظرياً، يُفترَضُ أن تكون فرص ظهور الماء كبيرة.

سؤال وجود الحياة خارج الأرض طالما حير ألباب البشر وألهب خيالهم. هل نحن وحدنا فى هذا الكون، أم هناك صورٌ أخرى للحياة؟ السؤال فلسفى بامتياز. وجودنا وحدنا، كحالة استثنائية لا مثيل لها فى الكون، له مغزى ومعنى يختلف عن وجودنا جنباً إلى جنب مع «آخرين». هل يمكن أن تكون صورة الحياة التى نعرفها هى الصورة الوحيدة للحياة فى كون يحتوى على نحو تريليون مجرة، وفى المجرة 100 مليار نجم، مع احتمالات مليارية لكواكب تُشبه كوكبنا تدور حول نجوم تُشبه شمسنا؟ المنطق لابد أن يُغلِّب احتمال وجود آخرين. لا إجابة حاسمة حتى الآن على السؤال. كان طبيعياً أن يتجهَ بصرُنا، أول ما يتجه، إلى جارنا الكوكبى الأقرب، المريخ.

يُرى المريخ بوضوح بالعين المُجردة من الأرض. ويقول العلماء إن هذه الكوكب بالذات، هو آخر مدى يمكن أن يذهب إليه البشر فى النطاق الفضائى (لن يكون ممكناً إرسال بشر إلى هناك قبل ثلاثين أو أربعين عاماَ). انشغال البشر بالمريخ قديم متجدد. اكتسب اسمه، «الكوكب الأحمر»، من مظهره.. فربط الرومان بينه وبين إله الحرب «مارس»، وهو اسم أطلقه الرومان كذلك على أحد أشهر العام.

أحد علماء إيطاليا رسم صوراً لقنوات على المريخ فى القرن التاسع عشر. ألهب ذلك الخيال البشرى بتصوراتٍ عن حضارات «مريخية» شقت هذه القنوات. انهمك الأدباء من وقتها فى إسقاط المخاوف والهواجس البشرية على كائنات وحضارات مريخية تغزو الأرض. مع عصر ارتياد الفضاء فى الستينيات بدأت أسرار المريخ تتكشف رويداً رويداً. فى البداية التقط البشر الصور، ثم أرسلوا أقماراً صغيرة تدور فى مداره (كما فعلت الإمارات مؤخراً بإرسال مسبار الأمل)، ثم هبطت المركبات الفضائية على سطحه. الخطوة التالية هى التقاط عينات من تربته وصخوره، والإتيان بها إلى الأرض. تلك هى مهمة مركبة الفضاء «المثابرة»، التابعة لـ«ناسا» الأمريكية، والتى هبطت على سطح المريخ منذ أيام. سوف تحصل المركبة على عيناتٍ من التربة العميقة وباطن الصخور، ثم تعود بها مركبة أخرى إلى الأرض فى عام 2026. الغرض هو العثور على دليل لوجود حياة قديمة على سطح الكوكب الأحمر!

الصور الأولية عن المريخ أكدت أنه كوكب قاحل لا حياة فيه. سطح المريخ عقيم بالكامل بسبب تعرضه لما يعرف بـ «الرياح الشمسية». لقد تبين أن المريخ ليس له غلافٌ جوى يحميه (سمك غلافه 1% من الغلاف الأرضى). الحياة على الأرض كانت ممكنة فقط بسبب توفر الغلاف الجوى، والمجال المغناطيسى الذى يحميها من الرياح الشمسية والأشعة فوق البنفسجية. ليس للمريخ، فى المقابل، هذا المجال المغناطيسى الحامى. الرياح الشمسية دمرت مناخه فى مرحلة مبكرة، وأتت على كل أثرٍ للمياه فيه. على أن العُلماء لم يُصبهم اليأس!

لقد تجدد الأمل بوجود احتمالٍ للحياة على المريخ بعد العثور على آثار جليد على سطحه. تحول الإجماع العلمى لجهة احتمال وجود الماء على الكوكب، ربما ليس الآن ولكن فى تاريخه البعيد. كيف؟ يطرح البعض نظرية أن المريخ كان أكثر دفئاً، بسبب انحرافٍ معين فى دورانه على محوره مكنه من استقبال قدر أكبر من الأشعة الشمسية قبل مليارات السنوات. ربما كان الكوكب الأحمر أدفأ مما هو عليه الآن، وبما سمح بوجود الماء. هذا ينطوى على أملٍ، ولو ضئيل، فى العثور على حياة قديمة- ولو فى صورة أولية- على سطح المريخ. هذا ما ستكشف عنه مهمة المركبة الروبوت «المثابرة». ولكن لماذا يهمنا السؤال إلى هذه الدرجة، عِلماً بأن تكاليف ارتياد الفلك.. فلكية؟!

لو عُثر على أثرٍ بعيد لحياة ميكروبية على المريخ منذ 3 مليارات عام مثلاً، سيعنى ذلك أن انبثاق الحياة على الأرض ليس ظاهرة استثنائية، بل هى قابلة- نظرياً- للتكرار إن توفرت ظروف معينة. المهمة، ربما تحل لنا ألغازاً تخص نشأة الحياة على كوكبنا. بل ربما تُعيد تعريف كلمة «حياة» كما نفهمها على الأرض.

وفى كل الأحوال، فإن هذه الجهود ستكشف عن مدى غرابة الظروف والمصادفات العجيبة التى مهدت لظهور الحياة على الأرض بالذات. كل شىء حدث بقدر. الأرض فى «المنطقة المأهولة» بالتمام. ليست أبعد من اللازم، فيتجمد الماء فيها كأورانوس. ليست أقرب من اللازم فيتبخر الماء فيها كالزهرة. لو أخرجت عنصرا ً واحداً من المعادلة، مثل وجود القمر بهذا الحجم وعلى هذه المسافة من الأرض، أو وجود المجال المغناطيسى حولها، لما كُنا وما كانت الحضارة البشرية!

الولع بالفضاء قديم قِدم الحضارات البشرية الأولى. ربط الإنسان حياته ومصيره بحركات الأجرام وتشكيلات النجوم. الأنشطة البشرية الرئيسية، كالزراعة والملاحة، طالما اعتمدت على معرفة بنظامٍ السماء. عصر النهضة يكاد يتطابق مع الكشف المذهل عن موقعنا الحقيقى فى الكون فيما يُسمى بـ«الثورة الكوبرنيكية».

عبر رحلة البشر المضنية لسبر غور كوكبهم، وفهم أسرار أنفسهم، ستظل أنظارهم معلقة بالسماء.. نعم! نحن نذهب إلى المريخ بحثاً عن ذاتنا ومبدأ حكايتنا ومعنى وجودنا.. والله أعلى وأعلم!

[email protected]

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    177,543

  • تعافي

    137,294

  • وفيات

    10,298

أخبار ذات صلة

0 تعليق